لست أدري كيف أبدأ حديثي عن الذليل بعد عزّة، قصدي القذافي..
ما أزعجني هو كمية التعليقات الكبيرة التي صادفتها، المشتركة في شيء واحد: انتقاد تصرّف الثوار مع القذافي! الكلام الفارغ بوجوب معاملته بكرامة، بلطف، بحنّية، أخذه للسجن ومحاكمته محاكمة عادلة! وبقية الثرثرة عن الثوار الذين تصرّفوا بهمجية وقتلهم للأسير والتقاط صور مع ميت وتعذيبه إلخ إلخ.
لست أدري كيف نسي هؤلاء جميع جرائم القذافي في رمشة عين، كأنّه ليس المسؤول المباشر عن مقتل عشرات الآلاف من الليبيين في الشهور الأخيرة؟ وقبل ذلك، نسي الجميع حكاية دعمه للثورات الإنفصالية في ربوع الأرض..
صارت دماء آلاف من الليبيين الذي قتلوا على يد أتباع القذافي لا شيء، فقط لأنّ الثوار لم يطبّقوا المسطرة المفترضة مع الأسير، أي محاكمته، بل قتلوه! يا للأسى.. عن أيّ عدالة وقانون يتحدّث الناس؟
ما أنا مقتنع به: لا يحقّ لأحد انتقاد سلوك الثوار، صحيح أنّ قتل الأسير تصرّف غير أخلاقي و(ضع هنا ما شئت من أعذارك). الثوار غير ملامين على تصرّف خارج عن العرف قد قاموا به.
حينما يصدم أحدهم بسيارته إبنك بدون قصد، ويسبّب له كسورا، احتمال كبير أنّك لو وجدت الفاعل أمامك لحظتها لضربته (وقد تقتله)، من فزعك مما حصل لإبنك. تذكير: كانت كسورا وعن غير قصد، لديك تأمين في النهاية.
الآن، ماذا لو قتل ابنك وأبويك وجيرانك ودمّر بيتك وزادها مما لا أعرفه ولا تعرفه عن سبق إصرار وترصّد، والبلاد في حالة حرب؟ لديّ إحساس أنّك لن تقف بجواره قائلا: "لو سمحت، ممكن تذهب معي للمحكمة، أريد رفع دعوى قضائية عليك بسبب شكوك عن مسؤوليتك عن مقتل أفراد عائلتي فردا فراد، بطرق غير إنسانية؟ ممكن؟ أنا أنتظرك في الخارج جهّز حقيبتك! أو اتّصل بمحاميك مثلا.."
أظنّ أنّك ستفعل أكثر بكثير ممّا فعله الثوار، شيء من قبيل آلة فرم اللحم تلك، مع فحم ونار! وقد لن يبرد دمك..
لذا، رحمكم الله، كفى من لوم وتوبيخ، كفى من تجريم الثوار، كفى من "التعاطف" مع القذافي، وكفى من محاسبة أحرار ليبيا عن كلّ زلّة.
أتضمن سلامتك العقلية لو عشت نصف ما عاشوه من أهوال؟

