هرمونات مغربية

لا أدري من أين أتتنا تلك الهرمونات، ما الغدد التي تفرزها ولا ما وظيفتها بالضبط. المهم أنّ آثارها بادية للعيان وفقط.
وطبعا هي هرمونات مجهولة الإسم، لذا سأذكرها بصفات حاملها تسهيلا:

  • هرمون تجاوز الترتيب، وهو أكثر الهرمونات انتشارا في أجساد المغاربة، يمكنك أن تصادف حامليه أينما التفتّ: في المستشفى، الإدارة العمومية، السفارة، الكلية، البنك، المرحاض العمومي (إن وجد)، الصرّاف الآلي، وسائل النقل العمومية، ممم لا أظنّ بوجود استثناء ما!
    تكون في إدارة عمومية حيث لا هواء منعش ولا جدران نظيفة، تنتظر دورك منذ ساعتين وتتمنّى لو تملك اللحظة جهاز أيفون يعينك على هؤلاء الموظّفين: تخيّلهم مخلوقات خضراء غبيّة واقتلهم جميعا! يا للروعة! إنّها لعبة الطيور الغاضبة (Angry Birds، إبحث عنها إن لم يصلك نبؤها). فجأة يطلب منك أحدهم لتوه وصل، "هلّا سبقت، أنا مستعجل، لديّ أطفال في المدرسة، أخي مريض، سيّارتي مركونة في وسط الطريق، قطّتي مصابة بلفحة شمس" وهلمّ جرّا من الأعذار. كأنّك بدون التزامات ولا هم يحزنون، مستمتع للغاية بتمضية وقتك في هذه الزاوية من العالم..
    أذكر ذات يوم زيارتي لأبي في عمله، هناك بعضهم ينتظر دوره فكان عليّ الانتظار احتراما للحاضرين، لاحقا وصل أحدهم وتجاوز جميع من ينتظر، كأنّنا كائنات فضائية لتوّها نزلت من زحل، أو أشباح طيّبة غير مرئية.. أوقفته: "رجاء، نحن وصلنا قبلك" (بطريقة غير مباشرة: نحن هنا!)، أجابني: "أنا أعرفه، أودّ الدخول بسرعة"، آها! لم أتوقّع هذا الجواب.. "إن كانت الحكاية معرفة فكلّنا نعرفه"، النتيجة أنّني تلقّيت وشوشة صغيرة كانت صدمة العمر، لا تجدي معها لعبة الطيور الغاضبة شيئا بل الساروبود الغاضبة (ولمن لا يعرف ما هو الساروبود = Sauropod فهو أكبر ديناصور مكتشف لحدّ اللحظة، تخيّل ما سيحصل حينما ترمي ساروبودا على مخلوق أخضر غبي وصغير الحجم؟)، كانت الوشوشة تفيد ما معناه: "إنّه أبي، وأنا مستعجل!"، بلعت ريقي وتأمّلت لحظات في "أخي" الكذوب، وفقدت الإتصال بالعالم.
  • هرمون الاستهزاء، الاستهزاء من كلّ شيء ومن أيّ شيء.
    لا تجيد الحديث بالفرنسية في موقف يتطلّب الحديث بها، ستجد بالجوار الكثير من المتندّرين بحالك، وإن كان الهرمون مقيما في أجسادهم منذ مدّة فلن يتحرّجوا من الضحك أمامك! ربّما هم في موضع قوّة واستعراض عضلات فأجازوا لأنفسهم ذلك.
    لا تتقن فنّ الخطابة بل لا تجيد الحديث أمام الناس، لا تضبط مخارج الحروف، ها! صرت نكتة اليوم في نظرهم، مثيرا للشفقة، من طلب منك الكلام؟ مثلك يجب أن يظلّ ساكتا، أبد الدهر! هؤلاء نسوا أنّ سيّدنا موسى خاطب ربّه فدعى: "وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي". قد تكون ذا موهبة وعلم غير أنّ المجتمع لا يدعمك حتى تصير عضوا فاعلا، بل الاستهزاء والسخرية حتى  تعتاد عليهم فتتجاهلهم، وهذا سبيل الأقلّية للأسف. أو ترضخ لهم فيعشّش الفشل في صدرك، مهلا: ليست نهاية العالم، إليك فلم The King's Speech وهو قصّة حقيقية لملك لم يكن يجيد الحديث أمام الملأ.
    رجل بصوت أقرب لصوت إمرأة أو العكس، سيدة بدينة، شاب نحيف جدا، فتى خجول، طفل شديد سواد البشرة والكثير من الأمثلة، هي طبقة واسعة عرضة للاستهزاء بشكل يومي، ربّما لم تنتبه لهم، غالبا ملّوا من كثرة التعليقات والنظرات فانعزلوا عن المجتمع، لمجتمعاتهم الخاصة.
    هي فتاة بدينة، دب، فيل، ماموث حتى! يبدو أنّها تتناول خمس دجاجات كل صباح، تخيّل لو ذهبت للمسبح فستعرف المنطقة تسونامي لحظة قفزها، هاهاها. لحظة، ماذا بعد كلّ هاته التعليقات؟ تخيّل لو تملك آلة سفر عبر الزمن لترى نفسك بعد 30 سنة: ابنتك عائدة للبيت تبكي لأنّ زميلاتها يضحكن عليها، لقبها "الدب القطبي" فقط لأنّها سمينة! صارت تكره المدرسة والمعرفة وحفلات الميلاد، هل ستكون سعيدا يومها؟
    "لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك."
  • هرمون الانتقاد، ويا حبّنا للإنتقاد! خبراء محلّفون نحن في هذا.
    فلان نظّم حفل زفاف وحرص على أن تكون ليلة في المستوى على محدودية موارده، استقبل الجمع ورحّب بهم وأطربهم وأطعمهم وسقاهم وزادهم حلوى يأخذوها لبيوتهم، النتيجة؟ "لم يكن اللحم ناضجا كفاية"، "لو قدّم لنا الحمام لكان أفضل من الدجاج"، "لم يحضر لي مشروبي المفضّل" وهلمّ جرّا من تعليقات لا تقدّر مجهود صاحب الدعوة ولا حجم الانشغالات والالتزامات الملقاة على عاتقه تلك الليلة. أحيانا أفكّر في جهاز لتسجيل كلّ تلك التعليقات السلبية، ثمّ تدور الأيام وها هو موعد زفافه ولنقارن بين كمّية (أو كثافة) التعليقات السلبية التي تفوّه بها سابقا وتلك التي سيطلقها الناس على زفافه هو.
    أحيانا، مهما فعلت فلن تنجو. لن أسرد أمثلة فقصّة جحا وابنه مع الحمار الذي حملوه على الظهر تختصر الحكاية (لا تقل لم أسمع بالحكاية؟). الحلّ هو أن تتجاهل كلّ التعليقات تلك، لا تنزعج من مفهومهم لحرّية التعبير، وتصرّف بالطريقة التي تقنعك. (أستثني هنا تعليقات الذين تثق برأيهم)
    ما يزعجني في الانتقاد هو حينما يصدر من شخص غير مؤهّل لذلك، أستطيع أن أتقبّل انتقادك لطريقة التدريس ومواد المقرّر كونك طالب جامعي وانتقادك نابع من واقع معاش. لكن ألّا تساهم ولو بجملة في ويكيبيديا العربية ثمّ تنتقد رداءة المحتوى الموجود فيها، أن ترمي كيس الأزبال في القطعة الأرضية الخالية خلف بيتك ثم تنتقد تهاون رجال النظافة في القيام بواجبهم، ألّا تحترم ممرّ الراجلين ثم تنتقد عجرفة الشرطة، ممم أظنّك تحتاج لسلسلة جلسات مكثّقة للتخلّص من الهرمون ذاك. صنف آخر ينتقد أشياء لا علم له بها، كمن ينتقد نظام تشغيل × وهو لم يجرّبه البتة، أو من ينتقد الدستور وهو لم يقرأه..
  • هرمون اللا رأي، اللا موقف، تجده في أجساد فئة واسعة من الشباب. لا تدري أفلان مع أم ضدّ، هو مع وضدّ في نفس الوقت!
    فلان يستقلّ تاكسي فيبتدره السائق بالحوار: "لقد أكثر المتظاهرون من ضجيجهم، إنّهم مزعجون!"، يجيب صاحبنا: "نعم، أنا ضدّ المظاهرات، إنّهم يضيّعون وقتهم". وصل فلان للكلية فيخاطبه أصدقاؤه: "لا تنس مظاهرة الغد، في ساحة التغيير!"، وطبعا يجيب صاحبنا: "بالتأكيد، تبا لحكومة اللصوص والشياطين"، يعود إلى البيت مستقلا الطرامواي (تعريب مغربي لTramway) فيحدّثه أحدهم عن الحكومة الرشيدة ومشاريعها العظيمة ليجيب صاحبنا: "إنّهم يعملون جيّدا، الناس يحمّلون الحكومة فوق طاقتها".. المسكين، ربّما هو بنفسه لا يدري أهو مع الحكومة أم ضدّها، أهو مع المظاهرات أم ضدّها، المهمّ أنّه مع الفئة الغالبة أينما كانت، ولا بأس لو غيّر الجلد مئة مرّة في اليوم.
    قليلون جدّا الثابتون على موقفهم، والأغلب تابع في كلّ الأحوال. في المغرب، يمكنك بسهولة رعاية حفل فني ساقط ليجتمع عليك ألف، وفي الغد اعتل منبر الجمعة وستجتمع عليك نفس الألف السابقة! يمكنك افتتاح سلسلة متاجر تبيع الخمور وستكون الألف السابقة من زبنائك الأوفياء، وفي الغد أخرج عليهم بقانون لتحريم شرب الخمر وستصفّق لك الألف نفسها.
  • هرمون التصنيف، الناس نطاقات، داخل كلّ نطاق ممالك، وداخل كل مملكة شعب، وداخل كلّ شعبة صفوف، وداخل كلّ صفّ رتب، وداخل كلّ رتبة أجناس، وداخل كلّ جنس أنواع، وداخل كلّ نوع... آخ، إنّه درس من علم التصنيف = Taxonomy، وهو علم تصنيف الكائنات الحيّة! ما أكثر خبراءنا في هذا العلم.
    أحدهم يسألني: "عربيّ أنت أم أمازيغي"، إن أجبت "أمازيغي" فسيكون السؤال التالي: "ريفي، سوسي، شلح؟"، إن أجبت "ريفي" فسيكون السؤال الثالث: "الناظور أم الحسيمة؟" إن أجبت "×" فسيكون السؤال الرابع: "من أي منطقة بالضبط من ×؟" وهكذا دواليك، هذا الصنف من الناس هوايته التصنيف (أرأيت: بدوري صنّفته، لقد انتقلت العدوى إليّ ×_×).
    وطبعا التصنيفات تمتدّ للديانة (سنّي، شيعي، صوفي، ثم المذاهب والمدارس والزوايا...)، شخصيا، لا أقبل تصنيفي من هذه الناحية: أنا مسلم وكفى.
    وتصل التصنيفات للجامعة حسب تخصّصك، ثم للحياة العملية حسب مهنتك، كذلك أصلك ومنطقة ولادتك وحتى مكان دفنك فقبرك مصنّف سلفا.
    قرأت في مكان ما عن تعذيب طال طبيبا في معتقل، فعلّق أحدهم أنّ الطبيب لا يستحقّ المعاملة تلك فأقلّها احترام مهنته. ممم هل هذا يعني أنّ من يشتغل في مهن شعبية (بتعبير آخر: مهن بسيطة) لا مانع من تعذيبه في المعتقل مثلا؟ ولنفترض أنّه متّهم حتى، إذن جاز تعذيبه؟ ماذا إن كان مجرما (على اختلاف تعريف الإجرام)؟ مهلا، ماذا لو كان حيوانا مهدّدا للصحة العامة كالكلب العقور، هل جاز لنا تعذيبه؟
    المحزن أنّ البعض استجاب لتصنيف الآخرين له فصار مقتنعا بوضعه ولا مجال للتغيير. أحدهم صنّفه المجتمع ضمن الطبقة المحرّم عليها الحديث في السياسة، صار بدون رأي سياسي، لا يقدر حتى على التصريح برأيه في قرار الوالي أو مشروع قانون الوزير، يؤمن بنظرية أنّ المغرب مزروع بآذان كبيرة مهمّتها نقل أي وشوشة سياسية إلى الباب العالي سواء حصلت في الربع الخالي، الشارع، الهاتف العمومي، حفل عائلي أو حتى داخل دورة مياه ذات الجدران الأربعة! أقصى "كلام سياسي" ينطق به هو "آمين"، جوابا على: اللهم اهد ولاة أمرنا..
    هناك من صنّفه المجتمع في صباه "كسولا"، فيؤمن بفشله الدراسي ولو جاوز السبعين. هناك من يصنّفه المجتمع "فقيها" فيظنّ نفسه وليّا من أولياء الله المتقين مدافعا عن تصنيفه بكلّ ما أوتي من قوة. هناك من صنّفه المجتمع "ملتزما" فيخاف أن يشارك الناس ضحكهم ويمنع عن نفسه الكثير ممّا أحلّ الله لعباده، فقط حفاظا على تصنيفه، وأحيانا يحصل أن ينتفض على نفسه ولن يبخلوا عليه بتصنيفات جديدة.
  • هرمون الحلقات، يبدو هرمونا غير مفهوم. حسنا، ما رأيك بهرمون الفرجة؟
    تحصل حادثة ما في شارع شبه خال من الحركة، ومن عجائب المغرب ظهور أفراد يتزايدون بسرعة، مهمّتهم تكوين حلقة دائرية على مكان الحادث ثم الفرجة! سينما مجانية..
    كنت في الحافلة ذات يوم فحصلت حادثة مرورية غير بعيدة عنّا، نزل أحدهم مهرولا ليستطلع ما حدث، يا لفضوله! غادرت الحافلة المكان واستمرت في سيرها العادي، بعد 5 دقائق أو عشر (لا أذكر بالضبط) لحق بالحافلة شخص يلهث من شدّة التعب، إنّه ذاك الذي غادرها قبل قليل، نزل ليستطلع الحادثة وظنّ أنّ السائق سينتظره، والأهمّ من هذا: نسي حقيبته في الحافلة! المسكين: جسده متشبّع بهرمون الحلقات حتى صار حلقة لكلّ من كان في الحافلة.
    ليت الهرمون هذا مرتبط بالحوادث فحسب، مظهرك الخارجي سبب كاف ليحملق فيك الكثير، وأحيانا إن كنت برفقة فتاة (مشكلة إن كانت أجنبية) فعدد المتفرّجين سيزداد، وفي النهاية ستخضع لجولة استنطاق يشارك فيها كلّ من يعرفك: من هي؟ ماذا كنت تفعل معها؟ فيم كنتما تتحدّثان؟ لماذا كنت مبتسما وأنت تمشي معها؟ ما المكتوب في تلك الورقة التي قدّمت لك؟ (يا لطيف، لديكم مكروسكوب دون علمي!) وطبعا البعض ألّف سيناريو لما سيحصل بعد 20 سنة فيما تكفّل آخرون بطبخ إشاعة علاقة ما على أن ينشرها فريق الحمام الزاجل في الكوكب بأسره.. في النهاية كانت سائحة أجنبية تبحث عن بنك وأنت أرشدتها لأقرب صرّاف آلي، فقط.
  • هرمون الحطّ من الشخصية المغربية، أحد الهرمونات التي تبعث على الحنق الشديد.
    يحصل أن يرتكب مغربي مقيم بنيوزيلاندا خطأ ما (أو جريمة)، فيتكلّف الإعلام بنقل القصة مع بهاراته الخاصة، ينبري بنو جلدته الحاملين للهرمون ذاك قائلين: "المغربي مغربي، حتى لو كان في المريخ"!
    الحطّ ينال فئات واسعة من المغاربة فبعض كبار السنّ لا قول يجري على لسانهم غير مدح زمنهم ومغرب أيّام شبابهم ثم التعليق على الشباب الحالي الذي أشغل نفسه في الموسيقى والشات وتقليد الغرب! نسوا أنّ المغرب الحالي ليس إلّا نتاجا لخطط من سبق.
    ومن الناس من يقول: "نحن المغاربة لا نحترم الوقت، نحن شعب متخلّف، نحن من سيحكم العالم بعد 1000 سنة" (لأنّ جميع سكّان العالم سيغادرون لكواكب أخرى، ونحن الأغبياء سنظل هنا، فهمت النكتة يا ذكيّ؟)، نحن والكثير من نحن السلبية المحطّمة  التي لا خير يرجى منها، ملل ويأس وإحباط فقط.
    ممم، متفائل أنا، بمغرب أفضل، بمستقبل أفضل، وبشباب صاعد فخور ومشرّف لوطنه ^_^
    ولتذهب الهرمونات فوق لمتحف اللوفر (أفضل من متاحف العالم العربي، سيعتنون بها جيّدا هناك!)
--
في جعبتي المزيد من الهرمونات، توقّفت حتى لا يرميني أحدكم بهرمون الثرثرة الفارغة.

المغرب الخليجي وغباء المحلّلين الصحفيين

المغرب الخليجي، ثم ها هي التحليلات الصحفية تصادفني أينما جلت في العالم الرقمي!
حرصت على تجاهلها، لكنّ صبري نفذ.. خصوصا أنّ بعض الآراء تنمّ عن تفلسف عظيم ما شاء الله ^_^

البداية مع: "إسمه مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ما علاقة المغرب غير المطلّ على الخليج بالموضوع؟"

صارت لعبة أسماء إذن! أراه تفكير سطحي جدّا:
  • تركيا (مثلا) عضو في حلف الشمال الأطلسي رغم أن لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بالمحيط الأطلسي، يا ترى هل اقترح الأتراك تغيير مسمّى الحلف من "الشمال الأطلسي" إلى "الشمال الأطلسي - المتوسّطي - الأسود" لحظة انضمامهم للحلف قبل أزيد من 50 سنة؟
  • إسرائيل عضو في الإتحاد الأوربي لكرة القدم، لا داع لأن أذكّر أحدهم أنّ إسرائيل موجودة في آسيا وليس في أوربا.
  • الأردن تطلّ على خليج النقبة، موريتانيا تطلّ على المحيط الأطلسي، العجيب أنّ كلتا الدولتين عضوان في هيئة الإتحاد من أجل المتوسّط! على الهيئة أن تغيّر اسمها للإتحاد من أجل المتوسط والأطلسي والبحر الأسود والبحر الأحمر وبحر الشمال والبحر الأدرياتيكي والقطب الشمالي و... فلتكن مؤسّسة ديموقراطية تمثّل جميع الشعوب!
  • يذكّرني هذا بتفلسف ذكيّ فنطق ب"إسراطين"، خلاص انتهت جميع مشاكل الشرق الأوسط والمساكين حاروا في الإسم، الحمد لله على نعمة العقل.

رأي آخر: "اليمن أولى من المغرب، نظرا للقرب الجغرافي، القبائل المشتركة، الجزيرة العربية..."

يا سلام! منذ متى اعتمد السياسيون على الجغرافيا والقبائل المشتركة؟ إذن لكان العالم مختلفا منذ زمن بعيد:
  • أصبحت جزيرة مايوت الموجودة في أقصى جنوب شرق إفريقيا (باختصار: قرب مدغشقر) جزءا من الجمهورية الفرنسية قبل أشهر! فرنسا دولة أوربية علمانية وأغلبية السكان مسيحيون، مايوت جزيرة في المحيط الهادي جميع سكّانها مسلمون، أظنّ أنّ ساركوزي فاتته حسابات الجغرافيا والقبائل المشتركة، من يراسل قصر الإيليزيه؟
  • المغرب دولة إفريقية ومع ذلك ليس عضوا في الإتحاد الإفريقي، الموضوع أكبر من الجغرافيا والقبائل المشتركة.
  • سويسرا دولة تتوسّط أوربا، غير أنّها ليست عضوا في الإتحاد الأوربي. في المقابل قبرص دولة آسيوية وهي عضو في الإتحاد الأوربي (للإشارة فمعظم أراضي تركيا تقع في آسيا، وأراضي المغرب في إفريقيا، إلّا أنّ كلتا الدولتين طلبتا الإنضمام للإتحاد الأوربي).
  • جبل طارق في أقصى جنوب أوربا وهي جزء من المملكة المتحدة، جزر الكناري في أقصى غرب إفريقيا وهي جزء من إسبانيا، غويانا الفرنسية في أمريكا اللاتينية وهي جزء من فرنسا، غوام في أوقيانوسيا وهي جزء من الولايات المتحدة... ممم هل أستمر سردا لتناقضات السياسة والجغرافيا؟

رأي عجيب نوعا ما: "المتحدّث المغربي الفلاني (ظهر في الجزيرة ربّما) قال إنّ انضمام المغرب نكتة ولا يظنّها فكرة ستتحقّق يوما ما، إذن المغاربة لا يريدون الإنضمام."

لا أدري من عيّن ألفا أو باء ناطقا رسميا باسم المغاربة؟ لا أقول إنّ المغاربة موافقون أو لا، لكن ليس من الصواب الحكم على الرأي العام انطلاقا من حديث أحدهم لقناة تلفزية شهيرة.
شيء آخر: كأنّ حكّام الخليج استشاروا شعوبهم حين أسّسوا المجلس! كأنّهم سيستشيرونهم إن رغبوا في فكّه مثلا؟ كأنّ الشعب المغربي يُستشار في قضاياه المصيرية.. دعوها "مستورة" يا أحبّتي، إلّا إن كانت المنطقة ديموقراطية دون علمي.

رأي متداول: "ضمّ المغرب والأردن (..) من أجل دعم استقرار الأنظمة الملكية بالبلدين، تجنّبا لسيل الثورات ولكي لا يطالهما (أي المغرب والأردن) التغيير."

آخ! من يسمع تلك العبارة يظنّ أنّ دول الخليج تجسيد حيّ للمدينة الفاضلة التي سترسل الأمن والاستقرار لمن يعزّ عليها..

رأي مثير للشفقة: "الأردن ليست دولة، الأردن منظومة أمنية، الأردن شركة أمريكية للخدمات الأمنية، هناك سجون أمنية داخل الأردن، الأردن آخر دولة مرحّب بها للإنضمام."

أشكّ في قدرة بعضهم على التحليل والاستنتاج! يظنّ السامع أنّ المتحدّث من جزر الواقواق التي لم يصلها الأمريكيون بعد، لا علاقات ولا تعاون ولا هم يحزنون. لا أودّ الاسترسال في هاته النقطة فيكفي ما قاله السابقون عن الجمل وسنامه تلخيصا للحكاية.

بالمناسبة يتحدّث البعض عن الأردن فيذكر توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل محذّرا من خطر قائم وتطبيع محتمل. هل عليّ التذكير بالعلاقات التجارية وتبادل الزيارات على أعلى مستوى بين دولة خليجية وإسرائيل؟

رأي مثير للاشمئزاز: "سيرغد المغاربة والأردنيون بأموال الخليج، ستمطر سماؤهم ريالات ودراهم، ستكتسح المغربيات "السوق" الخليجي، سَ سَ سَ.."

بعضهم يظنّ أنّ المغرب أرض شبيهة بسطح المريخ حيث لا حضارة ولا ماء ولا معرفة، وسبحان الله بمجرّد ما سننضمّ للمجلس الخليجي سيصبح المغرب جنّة الله في أرضه، سينافس الدانمارك والسويد على المنصب الأوّل في مؤشّر التنمية! كفى استغفالا للعقول..

وطبعا سيتم تحويل جميع عائدات البترول السعودي للمغرب ليستمتع به أهل مراكش والدار البيضاء في حين سيعود الخليجيون لجمع اللؤلؤ، أظنّني سأسجّل الفكرة العبقرية هاته كسيناريو لفلم كوميدي محتمل ^_^

المهم، الموضوع ليس ممتعا كفاية، لذا سأتوقّف هنا.

المغرب الخليجي

يحكى أنّ هناك مشاورات تجري حول انضمام المغرب لدول مجلس التعاون الخليجي، وبما أنّنا في 2011 فكلّ الحكايات قابلة للتصديق، ما من استثناءات!

وبما أنّ الدنيا فرص فلن أضيّع وقتي تفكيرا في اسم يليق بمجلس التعاون الجديد، إليكم - معشر أهل الخليج - دروسا تطبيقية في اللهجة المغربية، نعم!

الحال أنّ عدد المغاربة في العالم يقارب عدد سكّان الخليج أجمعين، لذا اغتنموا الفرصة، الدرس الأوّل مجّاني ^_^
على بركة الله:

يرى الخليجيون بصفة عامة، لهجة المغرب عجيبة غريبة، غير أنّها ليست كذلك: فقط تهمة ألصقت بها بغير ذنب.. حسنا، قبل الاستمرار إليك القاعدة الأولى: اللهجة المغربية قابلة للتعلّم بسهولة (نصيحة مجرّب)، عليك أن تؤمن بهذا، وإلّا فلا داع للمتابعة.

جيد! لنكمل إذن: صحيح أنّ نسبة كبيرة من المغاربة يجيدون الحديث بالفرنسية، لكن هذا لا يعني أنّنا نتحدّث بها عوض العربية المغربية. تماما كما يجيد الكثير من الخليجيين الإنكليزية. أساس اللهجة المغربية هو اللغة العربية الفصحى، بعض قواعد النحو من الأمازيغية، مصطلحات أمازيغية، فرنسية، وإسبانية. هذه هي اللهجة المغربية عموما:

  • اللغة العربية الكلاسيكية، طبعا لا داع لأن أشرح هذا.
  • المصطلحات والنحو الأمازيغي: لأنّ الأمازيغية مكوّن أساسي للهوية المغربية.
  • الفرنسية: شيء من التاريخ، وفي الحياة العملية حينما يتفلسف الخليجي فيقول "ثانكس" عوض "شكرا" ففي المغرب فلاسفة مثله يقولون "ميرسي"، مع الاحترام للفلسفة بمعناها الجادّ.
  • الإسبانية: الجغرافيا جعلت إيران قريبة منكم وبالتالي فهناك تبادل لغوي، كذلك الحال بين المغرب واسبانيا، غير أنّه تبادل محصور في الشمال فقط.
  • وتوابل من لغات أخرى..

إليك القاعدة الثانية إذن: اللهجة المغربية نتاج حضارات متعاقبة وتلاقح لغوي، ستفتح لك مدارك متنوّعة لاكتشاف الجديد.

وحتى لا تبدو القاعدة الثانية مبهمة قليلا، إليك تمرين تطبيقي، وهو حوار باللهجة المغربية بين سيّدة وابن الحيّ:
  • السيدة: آ لعَايْلْ!
  • الإبن: شْنّي بْغِيتي آ لواليدة؟
  • السيدة: هُزّ بْكْشْلِيطَة وْمْشِي تْسَخّرْ لِي من الحانوت، جِيبْ لِي 10 بَيْطات وْ نُصّ ليطرو دْ حْليب، وْشُوفْ قُدَّامْكْ!
  • الإبن: (بعد أن حصل على مبلغ مالي) شكرا بْزّاف، غادي نْشْري طْرُمْبَ بالصّرْفْ
  • السيدة: آ لعَايْلْ باراكا من لْهَدْرَا وْكُونْ خْفيفْ!
  • الإبن: واخّا، أنا مْشيتْ..

انتهى الاقتباس، ماذا فهمت ^_^
بما أنّه أوّل تمرين (وبما أنّ الدرس مجّاني :P) فسأشرح:


  • "العايل" أصلها "العائل" باللغة العربية، أيّ الشخص الذي نعيله، عموما يقصد بهذا اللقب الصبيان، أي "العواول"! أضف هذه الكلمات لقاموسك فهي من اللغة العربية الحقّة!
  • "آ" للنداء، تستعمل بكثرة في اللهجة المغربية.
  • "بغيتي" أصلها "بغى" باللغة العربية، أي أراد وطلب، ("باغ وهاد" قولة لأبي بكر الصديق في الهجرة النبوية).
  • "الواليدة"، أصلها "الوالدة" باللغة العربية، أي الأم، عموما يستخدم كلقب لكلّ الأمهات.
  • "هزّ" أصلها "هزّ" باللغة العربية، أي أخذ وحرّك، ومن القرآن الكريم: "وهزّي إليك بجذع النخلة".
  • "بكشليطة"، أصلها "bicicleta" أي درّاجة هوائية بالإسبانية.
  • "مشي" أصلها "إمش"، من مشى يمشي مشيا، واضحة هذه.
  • "تسخر"، أصلها "سخّر" من اللغة العربية، أي مسخّر للخدمة، ومن القرآن الكريم: "والنجوم مسخّرات بأمره".
  • "الحانوت"، أصلها "حانوت" من اللغة العربية، أي متجر، في المعلّقات قبل الإسلام نجد "وإن تقتنصني في الحوانيت تصطد".
  • "جيب"، أصلها "جبّ" من اللغة العربية، أي اقتطع وأخذ، وفي السياق: أحضر.
  • "بيطات" مفرد "بيطة"، أي "بيضة"، والبيضة يا أحبّتي هي بيت الكتكوت قبل أن يرى العالم الخارجي ^_^
  • "ليطرو" أصلها "لتر" بالفرنسية، وحدة قياس عالمية.
  • "شوف"، أصلها "أشاف" باللغة العربية، أي أشرف، وفي السياق: أنظر وانتبه.
  • "قدامك" أي أمامك باللغة العربية، وفي المعلّقات طرفة بن العبد يقول: "وإن تك قدامي أجدها بمرصد".
  • "بزّاف"، أصلها "زهف" باللغة العربية، أي كثير، "بزّاف" أي "بزهف"، بكثرة.
  • "غادي" أصلها "غدا" باللغة العربية، "غادٍ" أي مبكّر. ومن القرآن الكريم: "يسبح له فيها بالغدوّ والآصال".
  • "نشري"، أصلها "شرى" باللغة العربية، أشري أي أشتري. ومن القرآن الكريم: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله".
  • "طرمب" أصلها "Trompo" بالبرتغالية، تلك اللعبة الدائرية الصغيرة المشهورة في سبيستون، لا أدري ما اسمها بالعربية!
  • "لهدرا"، أي "الهدرة"، أصلها "هذر" باللغة العربية، هذر يهذر أي تكلّم كثيرا، ثرثار باختصار.

انتهيت، أخيرا!
معظم الكلمات ذات أصل عربي متجذّر في التاريخ، لا يحدّثني أحدكم بعد اليوم: "اللهجة المغربية بعيدة عن اللغة العربية" ×_×

وهذا نفس الحوار باللغة العربية البسيطة المبسّطة السهلة الواضحة:
  • السيدة: يا ولد، تعال هنا!
  • الإبن: ها أنا ذا، ماذا تريدين يا خالة؟
  • السيدة: خذ درّاجتك الهوائية وأحضر لي 10 بيضات ونصف لتر حليب، انتبه لنفسك!
  • الإبن: شكرا جزيلا، سأشتري لعبة بما سيتبقّى لدي من نقود.
  • السيدة: كفاك ثرثرة، كن سريعا!
  • الإبن: حاضر. 

كفى من المصطلحات الآن، لننتقل لقليل من صرف وتحويل ^_^
أسمع أحدهم يقول: هذا ما ينقصنا! حسنا ليس الجزء الصعب من الدرس، اطمئن!

اللهجة المغربية مبسّطة من هذه الناحية، سأتحدّث عن لهجة مدينتي. عموما هناك شبه كبير بين اللهجة المغربية والإنكليزية! صدّق أو لا تصدّق:

  • أنتَ وأنتِ يقابلها "تينا"، تماما مثل You في الإنكليزية.
  • هو وهي، تظلّان على حالهما.
  • هما، هم، هن يقابلها "هوما"، تماما مثل They في الإنكليزية.
  • أنتما، أنتم، أنتن يقابلها "توما"، You.
  • فقط ^_^

الصرف والتحويل بسيط: لا فرق بين المثنى والجمع، ولا فرق بين المذكّر والمؤنّث في الخطاب وفي الإشارة.
أمثلة:
  • "ماذا تفعل" للمذكّر، "ماذا تفعلين" للمؤنّث، باللهجة المغربية "شني كاتْعْمْلْ" للمذكّر والمؤنّث.
  • "ماذا تفعلان" للمثنى، "ماذا تفعلون" للجمع المذكّر، "ماذا تفعلن" للجمع المؤنّث، باللهجة المغربية "شني كاتعملوا" للمثنى والجمع المذكّر والمؤنّث.

والآن ملاحظات عامة قبل الختام:
  • هناك الكثير من السكون في اللهجة المغربية، وطبعا السكون على عدّة أنواع، يلزمك تسجيل صوتي للتمييز ^_^
  • غالبا ما يضاف حرف الكاف قبل تصريف كلّ الأفعال (ك يلعب، ك نلعب، ك يلعبو، ك نلعبو...).
  • وعلى ذكر الكاف، كوكوعّو = ديك باللهجة المغربية نسخة الأطفال الصغار ^_^

إلى هنا انتهى الفصل الأوّل، هنيئا: حصلت على شهادة المستوى 1 للمبتدئين في اللهجة المغربية!