في بلدي مشكلة إسمها الصحراء، اختلفت المسمّيات بين صحراء مغربية، غربية، محرّرة، مسترجعة، مستعمرة وهلمّ جرا. لكنّها تظلّ صحراء..
- "الصحراويون مواطنون مغاربة"، كما يقول النظام المغربي، غير أنّني أرى مواطنين مغاربة يتظاهرون في الصحراء ويقتلون رجال الأمن العزّل ليحصل هؤلاء المواطنون على عفو ملكي، وأرى مواطنين مغاربة يتظاهرون في شمال المغرب (أو يفكّرون في التظاهر) حتى تحيط بهم الشرطة وتشبعهم ضربا، لم أسمع عن مواطن من الشمال فكّر في الإعتداء على رجل أمن لأنّه إن فعلها فلن يبخل عليه والي الأمن بإنزال كثيف للشرطة (ولكم تخيّل بقية الحكاية). أتساءل عن مفهوم "القضاء" لدى النظام، هل نحن متساوون أمام القضاء لا فرق بين شمال وجنوب؟
- وقرأت فيما قرأت اليوم أنّ طالبا صحراويا في حالة سكر قُتل البارحة نتيجة قيامه بتصرّفات مخلّة بالحياء العام، ثار بعض الطلاب الصحراويين ودمّروا ممتلكات عمومية ولم تقم السلطات بأي ردّ فعل، أصدرت مذكّرة بحث في حقّ القاتل ولم تصدر مذكّرة بحث في حقّ المخرّب. غير أنّ مدينتي عرفت عمليات تخريب ممتلكات عمومية قبل أشهر وحوكم المخرّبون بعشرات السنين سجنا، في حين عرفت نفس المدينة مقتل طالب أمام زملائه (ولم يكن في حالة سكر، بل في أحد أشهر المقاهي السياحية بالمدينة)، ولم يتمّ القبض على الجاني لحدّ الآن. أتساءل عن مفهوم "الجريمة" لدى النظام: أتختلف العقوبات حسب المناطق؟ ألدينا قانون يطبّق على جميع المواطنين؟
- وممّا يعرفه القاصي والداني في بلادي حكاية الدعم الذي تقدّمه الدولة للمواد الأساسية في جنوب المغرب، والشركات المسجّلة في الجنوب تحظى بامتيازات ضريبية وتخفيضات في ضريبة الدخل. غير أنّ مناطق أشدّ فقرا في الشمال، يموت نساؤها شتاء بسبب الثلج وغياب الطرق والمصحّات، صيفا بسبب الأمراض وتأخّر الإسعاف، ولا دعم يحصلون عليه من خزينة الدولة، ولا تخفيض ضريبي يعرفونه بل ولا موادّ أساسية تصلهم أصلا! أتساءل عن مفهوم "الحقوق والواجبات" لدى النظام: أميزان الحقوق والواجبات يتغيّر بين الشمال والجنوب؟ أتتغيّر الموازين لصالح مجموعة دون أخرى؟
- وعن الإدارة المحلّية فقد عبّرت بعض القوى السياسية في أقصى شمال المغرب عن رغبتها في حكم ذاتي فكان أن عبّر النظام عن عنف وإقصاء وتهميش وقتل وتخوين. غير أنّ النظام نفسه اقترح الحكم الذاتي كحلّ وسط لجنوب المغرب تحت السيادة المغربية، وكم من تهليل وإشهار حصل عليه هذا المقترح الذي لم يُستفت عنه لا الشعب ولا البرلمان. أتساءل عن مفهوم "الحكامة" لدى النظام: أيجوز لمواطنين مغاربة حكم مدنهم والتصرّف في ثروات منطقتهم بأنفسهم ومصير مواطنين مغاربة آخرين الخضوع للمركزية المركّزة في العاصمة؟
- ثمّ إنّ النظام يهلّل بعودة مواطنين صحراويين للمغرب ويستقبلهم برواتب شهرية بدون مقابل وأراضي وامتيازات، وطبعا قصاصة إخبارية في وكالة الأنباء الرسمية. غير أنّ مواطنين مغاربة يهربون من البلاد في الشمال، أو يحاولون الهروب في قوارب مطّاطية توصلهم لبطن الحوت أحيانا كثيرة، وتكتفي السلطات بالفرجة ولا تمنحهم رواتب أو بطاقة أشبال الحسن، لا أراضي ولا محاولات تنمية.. أتساءل عن مفهوم "المواطنة" لدى النظام: أفي وطننا درجات مواطنة؟
كثيرة هي التساؤلات التي تدور في بالي عن ميزان النظام للشمال والجنوب، عن مدى "التكامل" و"الانسجام" بين الشمال والجنوب.. وهي تساؤلات سطحية تجرّ لتساؤلات أعمق:
- أفهم أنّ المغرب لا يمكنه استرجاع سبتة (مثلا) عن طريق حرب ضدّ إسبانيا (وهي العضو في الإتحاد الأوربي). لكن هل فعلا لا يقدر الجيش المغربي على القضاء على بضعة آلاف من المسلّحين الإنفصاليين المنحصرين في رقعة ضيقة، لا طائرات يملكونها بل ولا حتى صواريخ أو دبّابات ولا اعتراف أممي بهم، في حين أنّ الجيش المغربي (يقولون) ثالث أقوى جيش إفريقي والأوّل في عدد الجنود حليف رئيسي للنيتو؟ أم هو بعبع الصحراء يتذرّع به النظام في أيّ مناسبة؟
- إذا كان النظام المغربي اعترف باستقلال موريتانيا عن المغرب، واعترف بسيطرة الجزائر على الصحراء الشرقية، وكلتا المنطقتان كانتا جزءا من مغرب ما قبل الحماية الفرنسية وقُبيل الاستقلال، وقد كانت الاعترافات تلك بدون أخذ رأي الشعب المغربي، فما الذي يمنع نفس النظام الذي قدّم هاته التنازلات سابقا من تقديم تنازل جديد والاعتراف باستقلال الصحراء الغربية؟
- إذا كانت الجزائر العدوّ الأوّل لوحدة المغرب (كما يقول النظام)، ويقول الواقع إنّها الوحيدة في العالم التي تدعم الإنفصاليين بالأرض والمال، فلماذا يدعو المغرب لفتح الحدود والرفع بالعلاقات بين البلدين (وكذلك تقول الجزائر كلّ حين)؟ هي الجزائر عدو أم صديق أم ماذا؟
عليّ أن أتوقّف عن طرح التساؤلات، واضح أنّني لا أفهم في السياسة..
ويظلّ أملي في مغرب عدالة، مواطنة، حقوق وواجبات، قضاء يطبّق على الجميع (الجميع = الجميع، وليس "الجميع ناقص سين أو جيم"). متأكّد أنّ الكثير من مشاكل المغرب ستجد طريقها للحلّ بطرق ديموقراطية وهادئة.
وطبعا سيتمنّى يومها سكّان جزيرة هولوهولو في المحيط الهادي وليس فقط قبائل الصحراء أن يكونوا مواطنون مغاربة!

