ما بعد العاصفة

يُحكى أنّ طنجة عرفت أحدًا بدايته مظاهرة سلمية، نهايته تخريب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة.
مرّ أسبوع الآن، عادت الحياة لطبيعتها. الناس ينسون، سبقتها مصائب عظام وما ذكرها أحد بعد أن انتهت دورتها البيولوجية.

في الشارع، في الكلية، في المتجر وفي أيّ زاوية، الجميع محلّل اجتماعي، تفسيرات بالجملة لما حصل: الأمن تعمّد عدم التدخّل استجابة لأوامر عليا (هناك أوامر دنيا مثلا؟)، المخزن ذكي إذ ترك المخرّبين يعيثون في الأرض فسادا، حتى يتّعظ الشعب ويسبّح بوجود النظام، فكما يقول المثل: "المخزن الظالم ولا الرعية الفاسدة". نسينا أنّ فساد الرعية ليس إلّا نتيجة لظلم المخزن، ولمن لا يعرف معنى المخزن من غير المغاربة فهو لقب غير رسمي للطبقة الحاكمة التي تدين بولائها للملك. لا أحد يعرف بالضبط ما هو المخزن، من هم رجالاته، أالمخزن مع الشعب أم ضدّه، ويحمي مصالح من. قبل هذا: لم لا زالت بلادنا تدعم ضمنيا المخزن؟

رأي محلّل آخر: الجزائر والبوليزاريو وراء القلائل التي تجري في المغرب، هم السبب! تماما كما يهذي البعض أنّ أمريكا وإسرائيل هما السبب وراء كلّ كوارث العالم، شيء أراه تشرّبا حتى العظام لنظرية المؤامرة، دعهم في مؤامرتهم يغرقون.. (لماذا؟ لأنّك إن حاولت الحديث لأحد معتنقي هذه النظرية فسيشكّ فيك ويعتقدك جزءا من المؤامرة!). الحمد لله أنّني لم أسمع تحليلا ينسب ما حصل للماسونية وبقية الحكاية، وإن كانت مسألة وقت فقط ليبدأ منظّرو الماسونية في الكلام الفارغ.

وتستمرّ التحليلات ما بين مخرّبين مدعومين سرّا من رجال الشرطة لتنفيذ أجندة محدّدة (أجندة بالذات كلمة دخيلة على الثقافة المغربية، لم يكن يستخدمها أحد قبل شهور، البركة في الجزيرة، أو في أجندة الجزيرة!)، وما بين وحدة الوطن واستقرار البلاد يستوجب من الجميع الوقوف ضدّ المظاهرات، كأنّ المتظاهرين كانوا يدعون لتفريق الوطن وكسر استقرار البلاد مثلا؟

لكن الجميع بطريقة أو بأخرى متّفق على عدم شرعية التخريب وتدمير الممتلكات. لكن مهلا: أليس المخرّبون نتاج سياسة الوطن، أليس المخرّبون نتاج ثقافة مجتمع؟ يحكي لي أحد المقرّبين أنّ مجموعة مخرّبين كسرت واجهة وكالة بنكية وأرادوا نهبها، ما سرقه أحدهم كان عبارة عن لوحة مفاتيح! بالنسبة لي أنا وأنت ومن يقرأ هذا المقال فلوحة المفاتيح أرخص قطعة حاسب يمكنك شراؤها، ماذا عمّن لم يستخدم الحاسب في حياته؟ ماذا لو كان أمل الشاب ذاك الحصول على حاسب والإتصال بالنت ليكتشف العالم الذي شغل الناس؟ لكنّ ضواحي طنجة بدون شبكة إنترنت، ضواحي طنجة في فقر وتخلّف وبعضها بدون إمدادات مياه الشرب حتى، أأتحدّث عن اتصال انترنت؟ مدارسها بدون حواسيب وإن توفّر واحد فلسيادة المدير، وطبعا لا وجود لسياسة تأهيل إلّا في نشرة الأخبار.

نلوم الفتى أن كسر واجهة المصرف وسرق لوحة مفاتيح؟ مبدؤه أنّه يأخذ ما هو له، من حقّه الحصول على حاسب! هنا أقف على سياسة عجيبة في وطننا: يحصل طلّاب الماستر أو الهندسة على حواسب مجانية أو بأثمنة تفضيلية، مع اتصال إنترنت. علما أنّ معظم إن لم أقل كلّ طلّاب الماستر والهندسة يملكون حواسب مسبقا لأنّ السنوات السابقة تستلزم استخدام حاسب. لكن ويا للمفارقة: طلّاب الباكالوريا مثلا، أو طلّاب الإجازة الذين هم في حاجة لمثل هذا العرض يُحرمون منه. قاعدة إغناء الغني وإفقار الفقير في شكل بسيط.

ومن المواقف التي أذكر يوم المظاهرة مرور سيارة فخمة لم يكن صعبا عليّ معرفة صاحبها، تلقّت السيارة تلك حجرا على واجهتها فتشقّق زجاجها الأمامي، وبدى السائق غاضبا. أمامي مراهقان قال أحدهما: "أنظر للسيارة، المسكين اعتدوا عليه" فردّ صاحبه: "المسكين هو أنت! واضح أنّ صاحبها يملك من النقود ما يكفي لإصلاحها الليلة، ثمّ إنّه يستحقّ ما حصل له.."

كان تنبّؤ الشاب ذاك صحيحا، أيّام وصاحبنا بسيارة أخرى، أكثر فخامة من الأولى! وطبعا أيام أخرى وسينسى سيرة الحجر. أمّا عن استحقاقه لما حصل أم لا فهذا مفهوم اجتماعي آخر: يفترض الكثير من الشباب الذي نشأ فوجد نفسه في حيّ فقير، ثم كبر ليكتشف وجود حيّ فيلات فخمة بالجوار أنّ هناك خللا كبيرا: نقود هؤلاء الأغنياء ليست إلّا نقودنا نحن الفقراء، سُرقت منّا أو استغلّوا طيبة آبائنا، وإلّا فقد أخذت منّا بالقوة، مرور الزمن لا يعفينا من أخذ ما هو لنا.

والواقع يقول إنّ الكثير ممّن اغتنى، سكّان الفيلات، كان اغتناؤه على ظهر عمّاله الفقراء: هم كالعبيد في مصنعه لا راحة ولا استراحة، وطبعا لا وجود لانخراط في ضمان صحّي درءا لدوائر الزمن (في المقابل ستجد جميع أبناء صاحب الشركة منخرطين في الضمان الصحي التابع للشركة، وهم لم يدخلوها يوما)، لا وجود لتقاعد يحفظ ماء الوجه يوم الهرم، لا وجود لعطل وبعد كلّ هذا يحصل العامل على راتب والمدير يمنّ عليه! يلبس مدير الشركة الجلباب الأبيض يوم الجمعة ويوزّع الصدقات، ربّما يساهم في بناء مسجد أيضا، يراه الناس الشيخ الفاضل في زمن قلّ فيه الرجال، يرونه تقيّا غنيا محقّا لحقوق الله ولو اطّلعوا على جزء من الحقيقة لبلعوا لسانهم من هول الصدمة.

لم يكد الأسبوع ينتهي حتى أطلّ علينا الإعلام بخبر محاكمة مشاغبي طنجة، 10 سنوات سجنا، وكانت التهم: تكوين عصابة إجرامية، السرقة الموصوفة، التخريب والإتلاف العمدي، إضرام النار عمدا في ممتلكات عامة وخاصة، إتلاف مستندات بنكية، التجمهر المسلّح، العصيان والاعتداء على موظفين عموميين أثناء مزاولة عملهم. قائمة تهم ثقيلة انتهت بأحكام زجرية للمخرّبين، ردعية لبقية المواطنين، كما يقال.


  • "تكوين عصابة إجرامية"، وددت لو تُحاكم كلّ مجموعة تسيطر على العقار في طنجة وتحتكره، تسرق أموال الشعب تحت غطاء قانوني، تدمّر اقتصاد الوطن بالتهريب، تتاجر في المخدّرات، بعشر سنوات سجنا، لم تكن العصابة الإجرامية يوما حكرا على من استغل حياد الأمن فسيطر على بعض المنقولات.
  • "السرقة الموصوفة"، وددت لو يحاكم سياسيو طنجة من نواب، جماعة حضرية، وولاية على سرقتهم الموصوفة للنقوذ التي يحصّلونها من ضرائب الشعب، لو يحاكم المتصرّفون في ميزانيات رصف الشوارع غرس الحدائق إصلاح الإنارة جباية الأسواق وهلم جرّا، بعشر سنوات سجنا.
  • "التخريب والإتلاف العمدي"، وددت لو يحاكم من حوّل شاطئ طنجة البلدي لمكبّ نفايات، من خرّب الغابات المحيطة بطنجة وكذا من خرّب آثارها التاريخية حتى تكاد تختفي، من أتلف جمالية المدينة وأصالتها، بعشر سنوات سجنا.
  • "إضرام النار عمدا في ممتلكات عامة وخاصة"، يحضرني هنا الغابة شرق طنجة التي أضرمت فيها النار الصيف الماضي، قيل إنّ الحريق عائد للظروف الجوية يومها، وقيل أيضا إنّ الحريق متعمّد ليجد أصحاب العقار طريقا لاستغلال أراضي الغابة. وددت لو يحاكم مفتعل الحريق بعشر سنوات سجنا، كما وددت لو يحاكم وزير مغربي أضرم النار في أحلام عشرات الآلاف من شباب المغرب، ليس بعشر سنوات ولكن باسترداد المظلوم لحقّه.
  • "التجمهر المسلّح"، ماذا عن تجمهر المرشّحين للإنتخابات وإمطارهم الشعب بسيل من الوعود الكاذبة، وأيضا رشاوى وابتزازات من أجل التصويت عليهم، ثم اختفاؤهم مباشرة بعد انتهاء الإنتخابات؟ لعمري من يحمل سلاحا باديا أهون على المرء ممّن يحمل سلاحا متخفّيا، الأول تراه من بعيد فتتجنّبه، الثاني يتودّد إليك ويغركّ بكلامه المعسول، يصدّقه الناس فيطعنهم واحدا واحدا حينما يجلس على الكرسي.
  • "الإعتداء على موظفين عموميين أثناء مزاولة عملهم"، أملي بعشر سنوات سجنا لكل من اعتدى على مواطن مغربي أثناء طلبه حقّه من إدارة عمومية: الحق في الحصول على بطاقة التعريف دون أداء رشوة، الحق في استقبال الموظف للمواطن في أيّ ساعة من ساعات العمل الرسمية الثمانية، الحق في تجهيز ملف المواطن أيّا كان في مواعيد محدّدة سلفا (لا أن يحصل جارك على رخصة السياقة في يومين وكلّما ذهبت أنت يجيبونك: لم تجهز بعد، عد الأسبوع المقبل).. هي حقوق بديهية المغترض ألّا تكون موضع نقاش أصلا.


لكنّ قضاءنا قويّ على الضعيف فقط، بل ولا أظنّ المحاكمة تمّت بطريقة قانونية كإخبار أهالي المتّهمين وتوكيل محامي للدفاع عنهم، وهل مدّة 4 أيّام كافية ليصدر القضاء حكمه؟
كذلك الشعب موافق لمسار المحاكمة هذا، الناس عاطفية في اتّخاذ قرارها: تتجاوز للأوّل إن سرق قطعة عمومية وبنى عليها قصرا من أموال الشعب، على أن يتغابى على الناس حتى يُصدّقوا روايته، وعلى ألّا يأخذ ممّا للمواطن بعلمه حتى تظلّ الناس جاهلة بما يحدث. هؤلاء الذين يتجاوزون على الأوّل لا يتردّدون في التشديد على ضرورة معاقبة المخرّب الذي كسر هاتفا عموميا وواجهة متجر راق.

هو مجتمع يشيد بسقوط آل الطرابلسي في تونس ويمدح استقرار الوضع في المغرب، ونسي أنّ آل الطرابلسي التوانسة ليسوا إلّا أطفالا مقارنة بآل الطرابلسي النسخة المغربية، نسي أنّ آل الطرابلسي التوانسة يدينون ب100 مليون دولار (ما كشف عنه الإعلام لحدّ الآن) لآل الطرابلسي المغاربة.

على أيّ، زرّ النشر والبقية في الحلقة القادمة ربّما ^_^

تحديث1: ما سُقته فوق من كلام فهو في سياقه، والتبريرات ليست تبريراتي بقدر ما هي سرد لما سمعتً الناس تتحدّث به.
حينما أقول مثلا: "نلوم الفتى أن كسر واجهة المصرف وسرق لوحة مفاتيح؟ مبدؤه أنّه يأخذ ما هو له، من حقّه الحصول على حاسب!"، فأنا لا أشرّع للفتى السرقة، لكن أعرض تبريره هو للسرقة (الذي سيختلف حوله الناس طبعا)، أقول إنه هو يرى أنّ من حقّه الحصول على حاسب، ولا أقصد أنّني أدعم أخذه للحاسب بالسرقة.

تحديث2: أنا لا أبرّر أعمال النهب والسرقة لكن أتحدّث عمّا يليها، أتحدّث عن العدالة وتطبيقها على الجميع. لا أحد فوق العدالة. إذا كان الكبير القويّ يجد طريقا للهرب من العقوبة فكيف لي ألّا أشفق على الصغير الذي يعاقب أشدّ العقاب إن أذنب؟

ردّ على ما يُسمّى بالبيان رقم 1 لحركة 20 فبراير

عجيب ما أراه اليوم: تخريف اسمه "حركة 20 فبراير"، قصدي المجموعة على الفيسبوك!

هي مجموعة أنشأها سعيد بن جبلي، ولمن لا يعرفه فهو كما يصف نفسه في تويتر: "مدوّن وصحفي من المغرب، مستشار في الإعلام الرقمي، رئيس جمعية المدونين المغاربة". إليكم التفاصيل:
  • يقول إنّه مدوّن ولا أراه كذلك! ليس كلّ من يمتلك موقعا ينشر فيه أخبارا فهو مدوّن، على أيّ هذه "مدوّنته" لمن أراد الإطّلاع عليها: http://www.benjebli.com/blog/
  • يقول إنّه صحفيّ! أنا شخصيا لا أصدّق أنّه صحفيّ ما لم يثبت صحّة قوله.
  • مستشار في الإعلام الرقميّ! بدون تعليق.
  • رئيس جمعية المدوّنين المغاربة، تحدّثت عن هذا الموضوع سابقا، المدوّنون المغاربة، علامة استفهام، مرّت 10 أشهر ولا جديد في الموضوع، سعيد لا زال يعتقد أنّه الناطق الرسمي باسم المدوّنين المغاربة، ثمّ إنّ جمعيته تلك (التي لا تملك وصل الإيداع) لم تقم بأيّ نشاط يُذكر لصالح المدوّنين المغاربة، رئيس والسلام!
على أيّ، وائل غنيم ناشط مصريّ يستحقّ كل احترام، كانت البداية مع مجموعة على الفيسبوك لاقت نجاحا وتجاوبا شعبيا، فكان أن استجاب القدر.
ممم، ليس كلّ من ينشئ صفحة على الفيسبوك بعدها، يستجيب له القدر!

ما يثير الغرابة أنّ صفحة "حركة 20 فبراير" حرصت على أخذ المبادرة من الآخرين لتنصّب نفسها الناطق الرسمي والمحرّك الأوحد لكلّ شاب أو شابة يدعو للإصلاح والتغيير في المغرب! بل وأصدرت الصفحة ما يسمّى ب"البيان رقم 1"، اليوم بيان وغدا تحية عسكرية للمغاربة ربّما ^_^ إليكم مقتطفات من "البيان":
  • "لبت فئات واسعة  من الشعب المغربي دعوات المشاركة في الاحتجاجات  التي انطلقت من فيسبوك"، من يقرأ المقدّمة هاته يظنّ أنّ الحركة تلك هي أوّل من دعا للتظاهر يوم 20 فبراير وهذا غير صحيح. من ناحية أخرى أين هي الفئات الواسعة من الشعب المغربي؟ مجموع المشاركين في المغرب ككلّ لم يتعدّ 37 ألف مشارك، تصريح وزير الداخلية، في حين عرفت مدينة الدار البيضاء وحدها، قبل أشهر قليلة، مظاهرة مليونية ما بين المليونين والثلاثة، تنديدا بيد إسبانيا المكشوفة فيما جرى بالصحراء المغربية (أحداث العيون).
  • "نجاح احتجاجات الأحد 20 فبراير في تحقيق أهدافها التي كانت مرسومة لها وحتى تجاوز سقف التوقعات"، أين هي الأهداف التي تحقّقت؟ لست أرى شيئا اللهم التخريب والتدمير، إحقاقا للحقّ فقد كانت التظاهرات ناجحة في العديد من المدن المغربية، وهذا لا يعود للحركة قدرما يعود للمشاركين أنفسهم.
  • "صفحة حركة 20 فبراير على فيسبوك التي صمدت أمام محاولات القرصنة"، هل من دليل أنّ صفحة الفيسبوك تلك تعرّضت للقرصنة؟ هلّا أطلّت علينا فيسبوك بخبر يفيد تعرّض موقعها لهجوم وتخريب ما كما حصل في تونس ومصر؟
  • "وتغلبت على تشويش وسائل الإعلام الرسمية المضللة"، كذبة كبيرة! اسألوا المغاربة ليؤكّدوا أن الإعلام الرسمي تعامل مع المظاهرات بمهنية: تغطية لمعظم المدن، حوارات مباشرة على الهواء، عدم إخفاء مشاهد التجمّعات...
  • "لم تكن لها أي علاقة بالاحتجاجات التي أطرتها التنسيقيات المحلية للحركة على مستوى المدن والقرى"، عن أيّ تنسيقيات تابعة للحركة يتحدّثون؟ لم أر ولم أسمع عن أيّ تنسيقية تابعة للصفحة تلك تؤطّر أحدهم. إن كان هناك من تأطير فهو بعيد كلّ البعد عن الحركة التي يقودها بن جبلي، لا دليل لديّ لكنّه استنتاج شخصي.
  • "احتجاجات مدينة الرباط اتسمت بالارتجالية والغموض والاستفراد بالقرار"، العكس هو الصحيح بالطبع: الجميع يتحدّث عن نجاح مظاهرات مدينة الرباط، هل لأنّ حركة بن جبلي الفيسبوكية لم تشارك في تنظيمها فهي احتجاجات "ارتجالية وغامضة"؟
  • "بتواطؤ مع جهات من اليسار الجدري"، بتواطؤ وليس بتعاون!
  • " إن شباب حركة 20 فبراير التي يتزعمها أسامة الخليفي وخلافا لما يوحي به اسمها هي مجموعة محلية صغيرة لا يتعدى أعضاؤها بضع عشرات"، هم بضع عشرات، طيّب، كم عدد حركتكم؟ لا يخبرني أحدكم أنّهم كذا ألف اعتمادا على عدد من نقر على زر "أعجبني" في الفيسبوك!
  • "ذلك أن كون شخص ما أحد الداعين الأولين للخروج في احتجاجات 20 فبراير لا يمنحه شرعية القيادة والتقرير والحديث باسم الحركة ككل"، جيّد! من منحكم أنتم "حركة 20 فبراير" شرعية القيادة والتقرير والحديث باسم الشعب المغربي؟

أظنّه يكفي، وإلّا سأعلّق على البيان جملة جملة. لنر النهاية الطريفة، وهنا بقيّة البيان، أقصد "البيان":
  • "اقتراح تاريخ الأحد 17 أبريل 2011"، هذا ما ينقصنا!
  • " انتداب نفسي لمهمة التنسيق بين جميع الأطراف..." الأخ مصدّق الحكاية، انتدب نفسه! 
طبعا البيان توصّلت به رسالة لبريدي الإلكتروني، هذا يُسمّى إزعاج، أو SPAM بطريقة أخرى، فأنا لم أطلب من الحركة أن ترسل لي بياناتها. حالي من حال الكثيرين الذين يتلقّون هاته البيانات بدون موافقتهم: إشهار واستغلال. ولا أستبعد أنّ الكثيرين من المعجبين بصفحة "حركة 20 فبراير" على الفيسبوك لا يدرون بما هم معجبين ولا من الشخص وراء هاته الصفحة.

على أيّ، نقط على الحروف حتى لا يختلط الحابل بالنابل:
  • لستً أعارض المسيرات السلمية ولا مطالب الشعب المشروعة، لكنّني أرفض تزعّم من ليس جديرا بالقيادة للمظاهرات، أرفض حصر المظاهرات في مجموعات فيسبوك ينشئها فلان أو علّان ثم ينصّب نفسه ناطقا باسم المغاربة، ولاحقا منتدبا للحوار بين الأطراف، وزير داخلية غدا أم ماذا؟ أعوذ بالله.
  • المظاهرات التي تنتهي بتخريب ممتلكات المواطنين ليست الحلّ للرقيّ بالوطن، ليست الوسيلة الناجعة لتحقيق المطالب.
  • المخرّبون ومثيروا الشغب لا علاقة لهم بالمظاهرات ولا بمطالب الشعب المشروعة، وقوع أعمال نهب وتخريب لا ينفي شرعية مطالب المغاربة.
  • لا يحقّ لتنظيم، حركة، نظام، مجموعة أو أيّا كان الإسم الحديث باسم الشعب المغربي، وخصوصا باسم شبابه.
  • تحية لرجال الأمن الذين حرصوا على مرور المظاهرات في أجواء سلمية، عتاب لرجال الأمن الذين لم يتدخّلوا بالشكل المطلوب لإيقاف المخرّبين بُعيد انتهاء المظاهرات.

صور من طنجة (تحديث كلّما حصلت على صور)

مساء الأحد 20 فبراير2011، وسط مدينة طنجة:



مساء الأحد 20 فبراير2011، مدخل فندق رامادا، الموحّدين سابقا:


مساء الأحد 20 فبراير2011، مدخل فندق الريف:


عن مظاهرة طنجة، 20 فبراير 2011

  • العاشرة صباحا، بداية توافد مجموعات صغيرة من المشاركين في التظاهرة، هذا أب وابنته وتلك عاملة وصديقاتها.. طلّاب جامعيون، جمعيات محظورة، أستاذ طبيب نجّار وكلّ فئات المجتمع مشاركة. أفترض أنّ متوسّط المستوى الدراسي للمشاركين في التظاهرة هو الباكالوريا، ومتوسّط السن هو 30 سنة. أكثر بقليل من النصف نساء، 60% من الحاضرين هدفهم المشاركة في التظاهرة، و40% هدفها الفرجة!
  • تبدأ المظاهرة: أينما التفتّ إلّا وهناك لافتة، شعار، علم المغرب (أو أعلام أخرى)، بعضهم يتحدّث في مكبّرات (بالمناسبة، معظم المكبّرات لا تعمل جيّدا، كأنّها قاعدة)، الجماهير تهتف بشعارات مفهومة، متناسقة، متناغمة ولها معنى.
  • رجال الأمن بعيدون عن مركز المظاهرة لحدّ الآن، قريبون لكن مختبؤون في الأزقّة الخلفية، لنقل إنّهم غير مبالين بما يجري. وطبعا أفترض وجود عدد كبير منهم بزيّ مدني وسط المتظاهرين.
  • تواجد الأطفال مع آبائهم، محلّات تجارية مفتوحة غير بعيد عن المكان، الإعلام الرسمي بالقرب، بعض الأجانب، كلّها إشارات تؤكّد على الطابع السلمي للمظاهرة.
  • منتصف اليوم، تتوافد جموع قادمة من أطراف المدينة لتنضمّ للمظاهرة، تركيبتها مختلفة قليلا: معظم الوفود شباب مراهقون، 60% منهم لم يكمل تعليمه الإعدادي، قلّة من النساء في المجموعة، والمجموعة ككلّ لا تحمل أيّ لافتة أو شعار يرمز لمطالبها.
  • تصل المظاهرة لذروتها العددية، ثم سريعا جدّا يختفي التنظيم: بدأت المظاهرة بهدف واحد (أو بأهداف واضحة) لتصير لمجموعة أهداف غير مترابطة؛ كلّ مجموعة وهواها. ينحسر دور المنظّمين تدريجيا لينسحب الآباء وكذلك العائلات.
  • سويعة لاحقا: اختفاء النساء، الأطفال المرفقين بأولياء أمورهم، الطبقة المثقّفة (إن صحّت التسمية)، وكذلك ممثّلي الأحزاب وكلّ من يمثّل هيئة أو منظّمة محدّدة. سيارات الأمن وقوات التدخّل السريع التي لم ينتبه لها الجميع في البداية صارت مرئية للمتظاهرين، لكنّها بعيدة عن أيّ تدخّل.
  • فجأة، وطبعا شيء متوقّع: انفلات تنظيمي، كأن يرشق أحدهم سيارة أمن لم تصدر أيّ تصرّف سلبي بالحجارة، الاعتداء على فتاة، رشق واجهة زجاجية لمحلّ تجاري أو وكالة بنكية وهلمّ جرّا. تقترب سيارات الأمن من الجموع لكنّها لا تتدخّل، تحاول الحفاظ على الحياد قدر المستطاع.
  • هذه الوضعية إشارة لكلّ النساء وكبار السن أن انسحبوا من الساحة، معظمهم يستجيب للنداء الخفيّ إلّا من يجرّه الفضول لترصّد الحكاية.
  • تركيبة الجموع تتطوّر: 80% شباب ما بين مراهقين طائشين، مخرّبين، أطفال غير ممدرسين، فتيات شوارع وكثير من الهادئين لكن لا رأي لهم. بطريقة أو بأخرى فإنّ القلّة هي صاحبة الشعارات التي لا معنى لها، شعارات خارج موضوع المظاهرة الأصلي، شعارات لا تفيد الهدف الأصلي للمظاهرة في شيء.
  • ويبدأ التخريب!
  • 10% من الشباب يخرّب واجهات المحلّات التجارية، يعتدي على السيارات، يرشق نوافذ المنازل بالحجارة وهلمّ جرا. 90% تتفرّج! متحمّسة ربّما، أو تفرغ مكبوتاتها.. 90% إمّعة لا تدري ما تفعل: إن رأت المخرّبين يهربون هربوا، وإن عاد المخرّبون عادوا، إن رُشقت قوات الأمن بالحجارة صفّقوا وإن مرّ أمامهم رجل شرطة تبسّموا له! نصف الحاضرين لا يدري ما الهدف وراء المظاهرة، حاضر فقط، عرض مسرحي ربّما.
  • وممّا لا شكّ فيه أنّ معظم (خشيت أن أقول كلّ) الحاضرين لم يقرأ الدستور المغربي ولا مرّة، لا يدري لم يتظاهرون في المغرب هذه الأيام ولا ما هي مطالب الشعب، هو حاضر: ببّغاء والسلام.
  • واضح أنّ رجال الأمن تلقّوا تعليمات صارمة، لذا فقد صبروا كثيرا قبل تدخّلهم المخجل، يحاولون تفريق المظاهرة فيزداد هيجان المشاركين، رأيت مشاركا (أو مخرّبا، عيب أن أنسبه للمشاركين) يكسر شجرة ويفرغ عليها غضبه، ينتفها ويدوس عليها، ربّما لو كان شارون أمامه لرؤف به أكثر! رأيت سيارة إمام مسجد (لست متأكّدا منه) كُسر زجاجها الأمامي، ذنبه أنّه مرّ بالجوار. مقهى أجلس فيه أحيانا رُشق بالحجارة. لا أدري ما الذي يفعله أبناء الشعب بممتلكاته..
  • يظهر رجال التدّخل السريع، لديهم هراوات من النوع الجيّد بالمناسبة. لا أنكر أنّهم تساهلوا بشكر كبير مع المخرّبين، كان بوسعهم القضاء عليهم بسرعة، كما عوّدونا سابقا.
  • خلا وسط المدينة من المتظاهرين، لكنّ خطرا آخر لتوّه بدأ: المتظاهرون العائدون للأحياء الهامشية كالسيل الهادر: أيّ شيء وجدوه أمامهم فهو صالح للتخريب، وخلفهم سيارات رجال الأمن تحرص على تفريقهم.
  • مرّت ثلاث ساعات على نهاية المظاهرة، ولا زال صفير سيارات الشرطة يصل لمسامعي، ذهبت أتفقّد فوجدت جماعة مخرّبين يكسرون هاتفا عموميا يملكه أحد الجيران! انتبهت إلى أنّ شوارع الحي اختفت من السيارات، المتاجر مقفلة، والحي هادئ مقارنة مع واجهته.
  • سأضغط على زر "نشر الرسالة"، كلّ أمنيتي أن ينجح رجال الأمن في إيقاف المخرّبين بأقصى سرعة، كلّ أمنيتي ألّا تًربط مطالب الشعب المشروعة بتصرّفات جزء غير متحضّر من الشعب.

لولا فسحة الأمل

  • أملي في شوارع لا تًزخرف لمرور موكب الملك ثم تعود سيرتها الأولى بعد يومين، في سيّارات لا تحمل ملصقا أن هذا شريف فاحترموه؛ بكل بساطة كلّ مواطن جدير بالإحترام..
  • أملي في مساجد لا يعتلي منابرها فقيه صباحا دجّال مساء، في خطبة جمعة لا تُرسل من الوزارة، وفي هواتف لا ترنّ وقت الصلاة.
  • أملي في معهد مولوي يخرّج ملك بلاد فقط، وليظل الأصدقاء بعيدا عن حبال توازن وطن.
  • أملي في ثقافة مغربية غير ألف مهرجان غنائي على مدار السنة، مع معرض كتاب وحيد.
  • أملي في سبتة مدينة مغربية.
  • أملي في جامعات يحاسب فيها الأستاذ إن غش قبل محاسبة الطالب إن اقترف ذنب معلّمه، في تعليم نزيه وعصري، فرص متكافئة أمام جميع الطلبة، مختبرات مجهّزة، سكن جامعي يليق بالإنسان، وقبل هذا: برنامج تعليم يغرس قيم الفهم لا الحفظ، العمل الجماعي لا الفردي، المبادرة لا الإتكال، احترام الاختلاف لا الرأي الأوحد والكرامة لا الخنوع.
  • أملي في برلمان لا ينام فيه النواب، نواب ينوبون عن الشعب لا عن مصالحهم، في أسئلة تطرح مباشرة من ممثّلي المواطن على وزراء يعاقبون إن غابوا ويقالون إن أساؤوا الجواب.
  • أملي في مغرب بدون رعية، بل مواطنون.
  • أملي في حديقة حيوانات لا تتحوّل لمجمّع سكني، يزورها الأطفال فيرون أسدا لا قطّا يلتحف لبدة أسد.
  • أملي في وزير اتصال ينطق باسم الحكومة، سياسيّ محنّك وذو تواصل مع إعلام المواطن، على ألّا يدافع عن ابنه إن خالف القانون.
  • أملي في ضرائب يؤدّيها الجميع، يُلام العامل البسيط إن تهرّب منها شرط أن يُحاكم الوزير والمدير والوالي إن تلاعب بها.
  • أملي في جنرالات لا ينعمون برغد العيش والجندي في الصحراء مرميّ منسيّ.
  • أملي في حكم بدون مخزن.
  • أملي في مواطن لا يدنّس صوته الانتخابي نظير دراهم، ثم يشتكي من طريق غير مرصّف وزبالة متراكمة.
  • أملي في وزير أوّل لا يورّث المناصب الحكومية لذويه، لا دليل على أنّ نسبة الذكاء مرتفعة عند أسرة دون بقية الشعب.
  • أملي في شيوخ بتقاعد يحفظ ماء وجههم، تغطية صحّية تعينهم على دوائر الزمن. مسألة وقت فقط ليصير جيلنا لمثل ما صاروا إليه.
  • أملي في مباريات وظيفة عمومية لا تخصّص فيها مقاعد لأبناء "المقاومين" المسجّلين لدى السلطة، بقية المغاربة أبناء خونة؟ مباراة تتوّج الخرّيج ليس لأنّه حامل للقب عائلة نافذة أو معه توصية موظف وربما علاوة في ظرف، ليس لأنّه ابن المدينة الفلانية أو أبوه ينتمي للحزب الفلاني.. تُوّج الخرّيج بالمنصب بعد المباراة لأنّه الأكثر استحقاقا، فقط.
  • أملي في إعلام لا يرى الأمازيغ مجرّد أهازيج وعروض فلكلورية، بدوا سذّج بدون تعليم وأطفال بأسماء ممنوعة قانونيا.
  • أملي في دستور لا يقدّس الملك، المواطن لا يحتاج لمن يجبره على احترام الملك بقدر ما يحتاج لمن يوصل صوته لملك بايعه الشعب ونال تقدير أطياف المجتمع.
  • أملي في سفارات تمثّل المغرب خير تمثيل، ترحّب بالمغربي إن زارها محتاجا لوثيقة أو عقد، ولا تتشاجر فيها زوجات السفراء.
  • أملي في صحافة بدون تملّق لطرف دون آخر، صحفيين غير انتهازيين ولا مبتزّي أموال، مجلّات لا تحاصرها لوبيات الإعلان.
  • أملي في أحزاب وتنظيمات لا تلعب على وتر الدين لاستقطاب المريدين.
  • أملي في تنافس اقتصادي شريف، عائلات لا تحتكر النفوذ والإقتصاد والدين والتشريع والتنفيذ والقضاء.
  • أملي في سجون لا تنتهك فيها كرامة الإنسان، لا يرمى وراء أسوارها سجين رأي، ولا تباع فيها المخدّرات.
  • أملي في بطاقة تعريف وطنية لكلّ مواطن، دون ذهاب وإياب للإدارات، دون انتظار صفّ لا ينتهي لتسجيل البصمات، ودون دفع رشوة للتعجيل باستخراج البطاقة.
  • أملي في مآثر يرى فيها الشعب تاريخه فيعتزّ بها وبه، مآثر غير آيلة للسقوط ولا تعشّش فيها الجرذان أو يبيت فيها السكارى..
  • أملي في شركة اتصالات لا تسرق المنخرطين في خدماتها، لا تتحايل عليهم بحملات إعلانية ولا تزعجهم برسائل نصية قصيرة كل يوم.
  • أملي في لغة عربية ملموسة في الواقع المعاش، ما فائدة تصدير الدستور بعبارة "المغرب دولة عربية" في حين جلّ الإدارات تقول: المغرب دولة بالفرنسية تتنفّس.
  • أملي في خريطة دولية من الأمم المتحدة، ترسم المغرب من طنجة للكويرة.
  • أملي في حكومة ينتخبها الشعب، من الشعب، وتحمل هموم الشعب.
  • نسيت أملا ما؟
  • على أي، نظم الطغرائي شعرا قال فيه: أعلّل النفس بالآمال أرغّبها، ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
  • ما أضيق الوطن لولا فسحة الأمل!