يُحكى أنّ طنجة عرفت أحدًا بدايته مظاهرة سلمية، نهايته تخريب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة.
مرّ أسبوع الآن، عادت الحياة لطبيعتها. الناس ينسون، سبقتها مصائب عظام وما ذكرها أحد بعد أن انتهت دورتها البيولوجية.
في الشارع، في الكلية، في المتجر وفي أيّ زاوية، الجميع محلّل اجتماعي، تفسيرات بالجملة لما حصل: الأمن تعمّد عدم التدخّل استجابة لأوامر عليا (هناك أوامر دنيا مثلا؟)، المخزن ذكي إذ ترك المخرّبين يعيثون في الأرض فسادا، حتى يتّعظ الشعب ويسبّح بوجود النظام، فكما يقول المثل: "المخزن الظالم ولا الرعية الفاسدة". نسينا أنّ فساد الرعية ليس إلّا نتيجة لظلم المخزن، ولمن لا يعرف معنى المخزن من غير المغاربة فهو لقب غير رسمي للطبقة الحاكمة التي تدين بولائها للملك. لا أحد يعرف بالضبط ما هو المخزن، من هم رجالاته، أالمخزن مع الشعب أم ضدّه، ويحمي مصالح من. قبل هذا: لم لا زالت بلادنا تدعم ضمنيا المخزن؟
رأي محلّل آخر: الجزائر والبوليزاريو وراء القلائل التي تجري في المغرب، هم السبب! تماما كما يهذي البعض أنّ أمريكا وإسرائيل هما السبب وراء كلّ كوارث العالم، شيء أراه تشرّبا حتى العظام لنظرية المؤامرة، دعهم في مؤامرتهم يغرقون.. (لماذا؟ لأنّك إن حاولت الحديث لأحد معتنقي هذه النظرية فسيشكّ فيك ويعتقدك جزءا من المؤامرة!). الحمد لله أنّني لم أسمع تحليلا ينسب ما حصل للماسونية وبقية الحكاية، وإن كانت مسألة وقت فقط ليبدأ منظّرو الماسونية في الكلام الفارغ.
وتستمرّ التحليلات ما بين مخرّبين مدعومين سرّا من رجال الشرطة لتنفيذ أجندة محدّدة (أجندة بالذات كلمة دخيلة على الثقافة المغربية، لم يكن يستخدمها أحد قبل شهور، البركة في الجزيرة، أو في أجندة الجزيرة!)، وما بين وحدة الوطن واستقرار البلاد يستوجب من الجميع الوقوف ضدّ المظاهرات، كأنّ المتظاهرين كانوا يدعون لتفريق الوطن وكسر استقرار البلاد مثلا؟
لكن الجميع بطريقة أو بأخرى متّفق على عدم شرعية التخريب وتدمير الممتلكات. لكن مهلا: أليس المخرّبون نتاج سياسة الوطن، أليس المخرّبون نتاج ثقافة مجتمع؟ يحكي لي أحد المقرّبين أنّ مجموعة مخرّبين كسرت واجهة وكالة بنكية وأرادوا نهبها، ما سرقه أحدهم كان عبارة عن لوحة مفاتيح! بالنسبة لي أنا وأنت ومن يقرأ هذا المقال فلوحة المفاتيح أرخص قطعة حاسب يمكنك شراؤها، ماذا عمّن لم يستخدم الحاسب في حياته؟ ماذا لو كان أمل الشاب ذاك الحصول على حاسب والإتصال بالنت ليكتشف العالم الذي شغل الناس؟ لكنّ ضواحي طنجة بدون شبكة إنترنت، ضواحي طنجة في فقر وتخلّف وبعضها بدون إمدادات مياه الشرب حتى، أأتحدّث عن اتصال انترنت؟ مدارسها بدون حواسيب وإن توفّر واحد فلسيادة المدير، وطبعا لا وجود لسياسة تأهيل إلّا في نشرة الأخبار.
نلوم الفتى أن كسر واجهة المصرف وسرق لوحة مفاتيح؟ مبدؤه أنّه يأخذ ما هو له، من حقّه الحصول على حاسب! هنا أقف على سياسة عجيبة في وطننا: يحصل طلّاب الماستر أو الهندسة على حواسب مجانية أو بأثمنة تفضيلية، مع اتصال إنترنت. علما أنّ معظم إن لم أقل كلّ طلّاب الماستر والهندسة يملكون حواسب مسبقا لأنّ السنوات السابقة تستلزم استخدام حاسب. لكن ويا للمفارقة: طلّاب الباكالوريا مثلا، أو طلّاب الإجازة الذين هم في حاجة لمثل هذا العرض يُحرمون منه. قاعدة إغناء الغني وإفقار الفقير في شكل بسيط.
ومن المواقف التي أذكر يوم المظاهرة مرور سيارة فخمة لم يكن صعبا عليّ معرفة صاحبها، تلقّت السيارة تلك حجرا على واجهتها فتشقّق زجاجها الأمامي، وبدى السائق غاضبا. أمامي مراهقان قال أحدهما: "أنظر للسيارة، المسكين اعتدوا عليه" فردّ صاحبه: "المسكين هو أنت! واضح أنّ صاحبها يملك من النقود ما يكفي لإصلاحها الليلة، ثمّ إنّه يستحقّ ما حصل له.."
كان تنبّؤ الشاب ذاك صحيحا، أيّام وصاحبنا بسيارة أخرى، أكثر فخامة من الأولى! وطبعا أيام أخرى وسينسى سيرة الحجر. أمّا عن استحقاقه لما حصل أم لا فهذا مفهوم اجتماعي آخر: يفترض الكثير من الشباب الذي نشأ فوجد نفسه في حيّ فقير، ثم كبر ليكتشف وجود حيّ فيلات فخمة بالجوار أنّ هناك خللا كبيرا: نقود هؤلاء الأغنياء ليست إلّا نقودنا نحن الفقراء، سُرقت منّا أو استغلّوا طيبة آبائنا، وإلّا فقد أخذت منّا بالقوة، مرور الزمن لا يعفينا من أخذ ما هو لنا.
والواقع يقول إنّ الكثير ممّن اغتنى، سكّان الفيلات، كان اغتناؤه على ظهر عمّاله الفقراء: هم كالعبيد في مصنعه لا راحة ولا استراحة، وطبعا لا وجود لانخراط في ضمان صحّي درءا لدوائر الزمن (في المقابل ستجد جميع أبناء صاحب الشركة منخرطين في الضمان الصحي التابع للشركة، وهم لم يدخلوها يوما)، لا وجود لتقاعد يحفظ ماء الوجه يوم الهرم، لا وجود لعطل وبعد كلّ هذا يحصل العامل على راتب والمدير يمنّ عليه! يلبس مدير الشركة الجلباب الأبيض يوم الجمعة ويوزّع الصدقات، ربّما يساهم في بناء مسجد أيضا، يراه الناس الشيخ الفاضل في زمن قلّ فيه الرجال، يرونه تقيّا غنيا محقّا لحقوق الله ولو اطّلعوا على جزء من الحقيقة لبلعوا لسانهم من هول الصدمة.
لم يكد الأسبوع ينتهي حتى أطلّ علينا الإعلام بخبر محاكمة مشاغبي طنجة، 10 سنوات سجنا، وكانت التهم: تكوين عصابة إجرامية، السرقة الموصوفة، التخريب والإتلاف العمدي، إضرام النار عمدا في ممتلكات عامة وخاصة، إتلاف مستندات بنكية، التجمهر المسلّح، العصيان والاعتداء على موظفين عموميين أثناء مزاولة عملهم. قائمة تهم ثقيلة انتهت بأحكام زجرية للمخرّبين، ردعية لبقية المواطنين، كما يقال.
لكنّ قضاءنا قويّ على الضعيف فقط، بل ولا أظنّ المحاكمة تمّت بطريقة قانونية كإخبار أهالي المتّهمين وتوكيل محامي للدفاع عنهم، وهل مدّة 4 أيّام كافية ليصدر القضاء حكمه؟
كذلك الشعب موافق لمسار المحاكمة هذا، الناس عاطفية في اتّخاذ قرارها: تتجاوز للأوّل إن سرق قطعة عمومية وبنى عليها قصرا من أموال الشعب، على أن يتغابى على الناس حتى يُصدّقوا روايته، وعلى ألّا يأخذ ممّا للمواطن بعلمه حتى تظلّ الناس جاهلة بما يحدث. هؤلاء الذين يتجاوزون على الأوّل لا يتردّدون في التشديد على ضرورة معاقبة المخرّب الذي كسر هاتفا عموميا وواجهة متجر راق.
هو مجتمع يشيد بسقوط آل الطرابلسي في تونس ويمدح استقرار الوضع في المغرب، ونسي أنّ آل الطرابلسي التوانسة ليسوا إلّا أطفالا مقارنة بآل الطرابلسي النسخة المغربية، نسي أنّ آل الطرابلسي التوانسة يدينون ب100 مليون دولار (ما كشف عنه الإعلام لحدّ الآن) لآل الطرابلسي المغاربة.
على أيّ، زرّ النشر والبقية في الحلقة القادمة ربّما ^_^
تحديث1: ما سُقته فوق من كلام فهو في سياقه، والتبريرات ليست تبريراتي بقدر ما هي سرد لما سمعتً الناس تتحدّث به.
حينما أقول مثلا: "نلوم الفتى أن كسر واجهة المصرف وسرق لوحة مفاتيح؟ مبدؤه أنّه يأخذ ما هو له، من حقّه الحصول على حاسب!"، فأنا لا أشرّع للفتى السرقة، لكن أعرض تبريره هو للسرقة (الذي سيختلف حوله الناس طبعا)، أقول إنه هو يرى أنّ من حقّه الحصول على حاسب، ولا أقصد أنّني أدعم أخذه للحاسب بالسرقة.
تحديث2: أنا لا أبرّر أعمال النهب والسرقة لكن أتحدّث عمّا يليها، أتحدّث عن العدالة وتطبيقها على الجميع. لا أحد فوق العدالة. إذا كان الكبير القويّ يجد طريقا للهرب من العقوبة فكيف لي ألّا أشفق على الصغير الذي يعاقب أشدّ العقاب إن أذنب؟
مرّ أسبوع الآن، عادت الحياة لطبيعتها. الناس ينسون، سبقتها مصائب عظام وما ذكرها أحد بعد أن انتهت دورتها البيولوجية.
في الشارع، في الكلية، في المتجر وفي أيّ زاوية، الجميع محلّل اجتماعي، تفسيرات بالجملة لما حصل: الأمن تعمّد عدم التدخّل استجابة لأوامر عليا (هناك أوامر دنيا مثلا؟)، المخزن ذكي إذ ترك المخرّبين يعيثون في الأرض فسادا، حتى يتّعظ الشعب ويسبّح بوجود النظام، فكما يقول المثل: "المخزن الظالم ولا الرعية الفاسدة". نسينا أنّ فساد الرعية ليس إلّا نتيجة لظلم المخزن، ولمن لا يعرف معنى المخزن من غير المغاربة فهو لقب غير رسمي للطبقة الحاكمة التي تدين بولائها للملك. لا أحد يعرف بالضبط ما هو المخزن، من هم رجالاته، أالمخزن مع الشعب أم ضدّه، ويحمي مصالح من. قبل هذا: لم لا زالت بلادنا تدعم ضمنيا المخزن؟
رأي محلّل آخر: الجزائر والبوليزاريو وراء القلائل التي تجري في المغرب، هم السبب! تماما كما يهذي البعض أنّ أمريكا وإسرائيل هما السبب وراء كلّ كوارث العالم، شيء أراه تشرّبا حتى العظام لنظرية المؤامرة، دعهم في مؤامرتهم يغرقون.. (لماذا؟ لأنّك إن حاولت الحديث لأحد معتنقي هذه النظرية فسيشكّ فيك ويعتقدك جزءا من المؤامرة!). الحمد لله أنّني لم أسمع تحليلا ينسب ما حصل للماسونية وبقية الحكاية، وإن كانت مسألة وقت فقط ليبدأ منظّرو الماسونية في الكلام الفارغ.
وتستمرّ التحليلات ما بين مخرّبين مدعومين سرّا من رجال الشرطة لتنفيذ أجندة محدّدة (أجندة بالذات كلمة دخيلة على الثقافة المغربية، لم يكن يستخدمها أحد قبل شهور، البركة في الجزيرة، أو في أجندة الجزيرة!)، وما بين وحدة الوطن واستقرار البلاد يستوجب من الجميع الوقوف ضدّ المظاهرات، كأنّ المتظاهرين كانوا يدعون لتفريق الوطن وكسر استقرار البلاد مثلا؟
لكن الجميع بطريقة أو بأخرى متّفق على عدم شرعية التخريب وتدمير الممتلكات. لكن مهلا: أليس المخرّبون نتاج سياسة الوطن، أليس المخرّبون نتاج ثقافة مجتمع؟ يحكي لي أحد المقرّبين أنّ مجموعة مخرّبين كسرت واجهة وكالة بنكية وأرادوا نهبها، ما سرقه أحدهم كان عبارة عن لوحة مفاتيح! بالنسبة لي أنا وأنت ومن يقرأ هذا المقال فلوحة المفاتيح أرخص قطعة حاسب يمكنك شراؤها، ماذا عمّن لم يستخدم الحاسب في حياته؟ ماذا لو كان أمل الشاب ذاك الحصول على حاسب والإتصال بالنت ليكتشف العالم الذي شغل الناس؟ لكنّ ضواحي طنجة بدون شبكة إنترنت، ضواحي طنجة في فقر وتخلّف وبعضها بدون إمدادات مياه الشرب حتى، أأتحدّث عن اتصال انترنت؟ مدارسها بدون حواسيب وإن توفّر واحد فلسيادة المدير، وطبعا لا وجود لسياسة تأهيل إلّا في نشرة الأخبار.
نلوم الفتى أن كسر واجهة المصرف وسرق لوحة مفاتيح؟ مبدؤه أنّه يأخذ ما هو له، من حقّه الحصول على حاسب! هنا أقف على سياسة عجيبة في وطننا: يحصل طلّاب الماستر أو الهندسة على حواسب مجانية أو بأثمنة تفضيلية، مع اتصال إنترنت. علما أنّ معظم إن لم أقل كلّ طلّاب الماستر والهندسة يملكون حواسب مسبقا لأنّ السنوات السابقة تستلزم استخدام حاسب. لكن ويا للمفارقة: طلّاب الباكالوريا مثلا، أو طلّاب الإجازة الذين هم في حاجة لمثل هذا العرض يُحرمون منه. قاعدة إغناء الغني وإفقار الفقير في شكل بسيط.
ومن المواقف التي أذكر يوم المظاهرة مرور سيارة فخمة لم يكن صعبا عليّ معرفة صاحبها، تلقّت السيارة تلك حجرا على واجهتها فتشقّق زجاجها الأمامي، وبدى السائق غاضبا. أمامي مراهقان قال أحدهما: "أنظر للسيارة، المسكين اعتدوا عليه" فردّ صاحبه: "المسكين هو أنت! واضح أنّ صاحبها يملك من النقود ما يكفي لإصلاحها الليلة، ثمّ إنّه يستحقّ ما حصل له.."
كان تنبّؤ الشاب ذاك صحيحا، أيّام وصاحبنا بسيارة أخرى، أكثر فخامة من الأولى! وطبعا أيام أخرى وسينسى سيرة الحجر. أمّا عن استحقاقه لما حصل أم لا فهذا مفهوم اجتماعي آخر: يفترض الكثير من الشباب الذي نشأ فوجد نفسه في حيّ فقير، ثم كبر ليكتشف وجود حيّ فيلات فخمة بالجوار أنّ هناك خللا كبيرا: نقود هؤلاء الأغنياء ليست إلّا نقودنا نحن الفقراء، سُرقت منّا أو استغلّوا طيبة آبائنا، وإلّا فقد أخذت منّا بالقوة، مرور الزمن لا يعفينا من أخذ ما هو لنا.
والواقع يقول إنّ الكثير ممّن اغتنى، سكّان الفيلات، كان اغتناؤه على ظهر عمّاله الفقراء: هم كالعبيد في مصنعه لا راحة ولا استراحة، وطبعا لا وجود لانخراط في ضمان صحّي درءا لدوائر الزمن (في المقابل ستجد جميع أبناء صاحب الشركة منخرطين في الضمان الصحي التابع للشركة، وهم لم يدخلوها يوما)، لا وجود لتقاعد يحفظ ماء الوجه يوم الهرم، لا وجود لعطل وبعد كلّ هذا يحصل العامل على راتب والمدير يمنّ عليه! يلبس مدير الشركة الجلباب الأبيض يوم الجمعة ويوزّع الصدقات، ربّما يساهم في بناء مسجد أيضا، يراه الناس الشيخ الفاضل في زمن قلّ فيه الرجال، يرونه تقيّا غنيا محقّا لحقوق الله ولو اطّلعوا على جزء من الحقيقة لبلعوا لسانهم من هول الصدمة.
لم يكد الأسبوع ينتهي حتى أطلّ علينا الإعلام بخبر محاكمة مشاغبي طنجة، 10 سنوات سجنا، وكانت التهم: تكوين عصابة إجرامية، السرقة الموصوفة، التخريب والإتلاف العمدي، إضرام النار عمدا في ممتلكات عامة وخاصة، إتلاف مستندات بنكية، التجمهر المسلّح، العصيان والاعتداء على موظفين عموميين أثناء مزاولة عملهم. قائمة تهم ثقيلة انتهت بأحكام زجرية للمخرّبين، ردعية لبقية المواطنين، كما يقال.
- "تكوين عصابة إجرامية"، وددت لو تُحاكم كلّ مجموعة تسيطر على العقار في طنجة وتحتكره، تسرق أموال الشعب تحت غطاء قانوني، تدمّر اقتصاد الوطن بالتهريب، تتاجر في المخدّرات، بعشر سنوات سجنا، لم تكن العصابة الإجرامية يوما حكرا على من استغل حياد الأمن فسيطر على بعض المنقولات.
- "السرقة الموصوفة"، وددت لو يحاكم سياسيو طنجة من نواب، جماعة حضرية، وولاية على سرقتهم الموصوفة للنقوذ التي يحصّلونها من ضرائب الشعب، لو يحاكم المتصرّفون في ميزانيات رصف الشوارع غرس الحدائق إصلاح الإنارة جباية الأسواق وهلم جرّا، بعشر سنوات سجنا.
- "التخريب والإتلاف العمدي"، وددت لو يحاكم من حوّل شاطئ طنجة البلدي لمكبّ نفايات، من خرّب الغابات المحيطة بطنجة وكذا من خرّب آثارها التاريخية حتى تكاد تختفي، من أتلف جمالية المدينة وأصالتها، بعشر سنوات سجنا.
- "إضرام النار عمدا في ممتلكات عامة وخاصة"، يحضرني هنا الغابة شرق طنجة التي أضرمت فيها النار الصيف الماضي، قيل إنّ الحريق عائد للظروف الجوية يومها، وقيل أيضا إنّ الحريق متعمّد ليجد أصحاب العقار طريقا لاستغلال أراضي الغابة. وددت لو يحاكم مفتعل الحريق بعشر سنوات سجنا، كما وددت لو يحاكم وزير مغربي أضرم النار في أحلام عشرات الآلاف من شباب المغرب، ليس بعشر سنوات ولكن باسترداد المظلوم لحقّه.
- "التجمهر المسلّح"، ماذا عن تجمهر المرشّحين للإنتخابات وإمطارهم الشعب بسيل من الوعود الكاذبة، وأيضا رشاوى وابتزازات من أجل التصويت عليهم، ثم اختفاؤهم مباشرة بعد انتهاء الإنتخابات؟ لعمري من يحمل سلاحا باديا أهون على المرء ممّن يحمل سلاحا متخفّيا، الأول تراه من بعيد فتتجنّبه، الثاني يتودّد إليك ويغركّ بكلامه المعسول، يصدّقه الناس فيطعنهم واحدا واحدا حينما يجلس على الكرسي.
- "الإعتداء على موظفين عموميين أثناء مزاولة عملهم"، أملي بعشر سنوات سجنا لكل من اعتدى على مواطن مغربي أثناء طلبه حقّه من إدارة عمومية: الحق في الحصول على بطاقة التعريف دون أداء رشوة، الحق في استقبال الموظف للمواطن في أيّ ساعة من ساعات العمل الرسمية الثمانية، الحق في تجهيز ملف المواطن أيّا كان في مواعيد محدّدة سلفا (لا أن يحصل جارك على رخصة السياقة في يومين وكلّما ذهبت أنت يجيبونك: لم تجهز بعد، عد الأسبوع المقبل).. هي حقوق بديهية المغترض ألّا تكون موضع نقاش أصلا.
لكنّ قضاءنا قويّ على الضعيف فقط، بل ولا أظنّ المحاكمة تمّت بطريقة قانونية كإخبار أهالي المتّهمين وتوكيل محامي للدفاع عنهم، وهل مدّة 4 أيّام كافية ليصدر القضاء حكمه؟
كذلك الشعب موافق لمسار المحاكمة هذا، الناس عاطفية في اتّخاذ قرارها: تتجاوز للأوّل إن سرق قطعة عمومية وبنى عليها قصرا من أموال الشعب، على أن يتغابى على الناس حتى يُصدّقوا روايته، وعلى ألّا يأخذ ممّا للمواطن بعلمه حتى تظلّ الناس جاهلة بما يحدث. هؤلاء الذين يتجاوزون على الأوّل لا يتردّدون في التشديد على ضرورة معاقبة المخرّب الذي كسر هاتفا عموميا وواجهة متجر راق.
هو مجتمع يشيد بسقوط آل الطرابلسي في تونس ويمدح استقرار الوضع في المغرب، ونسي أنّ آل الطرابلسي التوانسة ليسوا إلّا أطفالا مقارنة بآل الطرابلسي النسخة المغربية، نسي أنّ آل الطرابلسي التوانسة يدينون ب100 مليون دولار (ما كشف عنه الإعلام لحدّ الآن) لآل الطرابلسي المغاربة.
على أيّ، زرّ النشر والبقية في الحلقة القادمة ربّما ^_^
تحديث1: ما سُقته فوق من كلام فهو في سياقه، والتبريرات ليست تبريراتي بقدر ما هي سرد لما سمعتً الناس تتحدّث به.
حينما أقول مثلا: "نلوم الفتى أن كسر واجهة المصرف وسرق لوحة مفاتيح؟ مبدؤه أنّه يأخذ ما هو له، من حقّه الحصول على حاسب!"، فأنا لا أشرّع للفتى السرقة، لكن أعرض تبريره هو للسرقة (الذي سيختلف حوله الناس طبعا)، أقول إنه هو يرى أنّ من حقّه الحصول على حاسب، ولا أقصد أنّني أدعم أخذه للحاسب بالسرقة.
تحديث2: أنا لا أبرّر أعمال النهب والسرقة لكن أتحدّث عمّا يليها، أتحدّث عن العدالة وتطبيقها على الجميع. لا أحد فوق العدالة. إذا كان الكبير القويّ يجد طريقا للهرب من العقوبة فكيف لي ألّا أشفق على الصغير الذي يعاقب أشدّ العقاب إن أذنب؟

