وبدأ الموسم الجامعي..

  • ركبت الحافلة قاصدا الكلية، كانت حافلة كئيبة بالمناسبة.. لم يتغيّر الشيء الكثير؛ لا زالت الحفر مبعثرة هنا وهناك طوال الطريق، القوالب الإسمنتية تنمو بشكل يقال إنه منظّم، وأراه قمّة العشوائية.. الحافلة متّسخة وكأنّها مخصّصة لنقل طلّاب الجريمة لا طلّاب العلم.
  • دخلت للكلّية، أوّل ما استرعى انتباهي رفعهم للشبّاك الحديدي المحيط بالحيّ الجامعي! المفترض أن يكون بناء وسط مساحات خضراء مفتوحة.. لكنّ الواقع يلمّح إلى وجود تقارب بين هذا الشبّاك وقفص الضباع بحديقة الحيوانات..
  • جولة داخل الكلية فإذا بي أمام بناء اسمنتي ضخم: دخلت الكلية قبل خمس سنوات فكانت قاعة "في طور البناء"، تمرّ السنوات ولا زال البناء مستمرا، شيء مثل تكليف أرنب بحفر نفق يربط إفريقيا بأوربا تحت البحر! إذهب ونم لعشرين سنة ثم عد لتجد الأرنب لا زال "في طور الحفر"، أو البناء..
  • كانت كلّية فارغة، لا شيء يدلّ على بداية الموسم الدراسي سوى تواجد بعض طلّاب السنة الأولى. أشفق عليهم: نصفهم سيضيّع وقته هنا فقط، ربعهم سيعتقد أنّه هنا للدراسة، ليكتشف "المزحة" لاحقا، أمّا الربع الأخير فلهم الله، سيعذّبون في الأرض قليلا.
  • دخلت لموقع الكلّية علّي أجد معلومات مثل قوائم الأقسام، موادّ الفصل الحالي، استعمال الزمن وهلمّ جرّا.. فهي معلومات لم أجدها متوفّرة في الكلية، معلومات سرّية، من يدري؟
  • يمكنني القول إنّ موقع كلّية العلوم والتقنيات (سمعتم؟ علوم وتقنيات!) عار على ما يسمّى التعليم الجامعي بالمغرب. فإن تصفّحت قسم "خدمات الطلّاب" لحصلت على صفحة فارغة، وإن بحثت عن تقويم السنة لوجدت تقويم السنة الماضية! وحتى لو رغبت في تحميله لاكتشفت أن كلّ الروابط لا تعمل.. أمّا أن تحمّل دروسا من الموقع أو تطّلع على سجلّك الجامعي أو ربّما حصولك على مساحة تواصل مع الأساتذة والطلّاب فهذا ترف وتطلّع لما فوق السحاب.. لا داع لفتح باب الأحلام.
  • حسنا، نحن الآن في بداية السنة، ولا أدري ما المواد التي سندرس خلال الفصل الحالي! هذا يعني أنّني لا أدري أسماء الأساتذة الذين "سيدرّسونني" أيضا، ولا أدري الساعات المخصّصة لكلّ مادّة ولا توزيع الحصص ولا قاعات إلقاء الدروس ولا تواريخ الإمتحانات ولا جدول العطلات ولا متى سينتهي كلّ هذا الهراء! بل لا أدري أسماء زملائي في الفصل ولا حتى متى سنبدأ الدراسة..
  • بالمختصر المفيد: تسري على الكلّية قوانين مستقاة من معجم الغموض، الصدفة، الإحتمالات، التغيير الفجائي، جرّة قلم، اللّاقرار اللّانظام.. وليس هذا بغريب..
  • وانتهى اليوم الأوّل في الجامعة، وأسفي على الساعات التي أضعتها لأصل لهناك، وأعود من هناك.
  • عدت للبيت قاصدا الإنترنت، جميع أصدقائي بالحيّ أو الدراسة الثانوية رسموا لأنفسهم مسار حياة خارج المغرب.. جمعتني بهم دردشات فكان أن تحدّثنا عن الدخول الجامعي، كلّ يحكي عن مدينته وجامعته، عن جودة التعليم ومستوى الحوار في الجامعات، عن النظام، حقّ الاختيار وكثير ممّا يجعلهم فخورين بجامعاتهم..
  • آثرت الصمت..
يتبع..

كيف تعرف أنّك مفكّر في العالم العربي؟

الأمر سهل جدا:
  • ضع عصارة تفكيرك في كتاب ما، ثم انشره بلسان شعبك، هو كتاب لا يثير شهية وزارة الثقافة بالمناسبة.. على ألّا تتجاوز الخطوط الحمر حتى لا تهيّج عليك وزارة الداخلية!
  • حاول أن تنتقد، أن تصلح، أن تغيّر شيئا ما، واطمئن: لن يهتمّ بهرائك أحد.
  • ستنعزل عن المجتمع بطريقتك، وقد تنسى حلق شعر رأسك المنفوش مما سيؤكّد أطروحة الدولة أن ذاك مجنون فلا تستمعوا له..
  • لقد قرّروا تنظيم مهرجان دولي للكتاب، ويا حسرتاه فها هم المفكّرون مدعوّون من أقصى الأرض.. ونسوك!
  • تقرّر التطفّل على حاسب ابنك لتكتشف أن لا أحد يعرفك في الإنترنت، ولا صفحة لك بويكيبيديا.. العربية.
  • مممم، ويقال إن طلّاب الجامعات لا يعرفونك أيضا.
  • سيدفعك هذا للتفكير أكثر وأكثر، وكلّما نشرت كلامك إلّا وقلّت القاعدة المتابعة لك، فتفكيرك لبساطته، لم يعد يفهمه إلّا القلّة! صنع في العالم العربي..
  • ستحظى بفرص سعيدة كزيارة سريعة لأوروبا أو اليابان؛ ستبتهج لاهتمامهم بفكرك، وستجد من يناقشك، أخيرا!
  • وإلّا فمناصب شرفية تنتظرك في بلدك، على سبيل أمين مكتبة لا يزورها أحد، أو مندوب وزارة ثقافة في مدينة صناعية، وربّما يتذكّروك يوما لتمثيل بلدك في مهرجان ثقافي ينظّم في دول خطّ الإستواء الإفريقية..
ثمّ فجأة، توارى الثرى!
  • سيحتاج محرّرو الأخبار بالقنوات الإعلامية ليومين حتى ينجزوا تقريرا مقتضبا عنك، من دقيقتين! لا تلمهم فلا يعرفون شيئا عنك..
  • لحظة بثّ التقرير سيكون حال 95% من المحملقين في الشاشة أن تجدهم يتساءلون: من هو هذا؟ أوّل مرّة نسمع باسمه!
  • إن كنت محظوظا فسيطلقون اسمك على شارع ما، وربّما زقاق.. وتأكّد أنّ القرار سيخلّف استهجانا لدى الساكنة المحلية، فاسمك غريب غريب.
  • وإلّا، فاسمك عنوان لقاعة ما بمكتبة عمومية، ولو سألت أمين المكتبة عنك لقال لست أدري.
  • وإن كان اسمك معروفا في دول مجاورة، فسيضغطون على أصدقائهم ببلدك، والنتيجة هي تنظيم جائزة أدبية باسمك كلّ سنة، رغم أنّك لا تهوى الأدب.. ثمّ ستلغى الجائزة في دورتها الثانية لغياب الموارد الكافية.
  • أمّا إن كنت نابغة عصره فسيصنعون لك تمثالا في ميدان ما، يتبرّز عليه الحمام نهارا وتتحلّق حوله الكلاب ليلا، وبينهما سائح متحسّر من بلاد بعيدة؛ هو الوحيد الذي يعرفك في الساحة.
وكما تلاحظون، فالقاسم المشترك بين كلّ ما سبق أنّه لن يهتمّ بك أحد ما دمت حيّا، عليك أن تموت ليستيقظوا فجأة على موروثك الفكري الضخم، موروث لن يتداوله بعدك إلّا الخاصّة من الناس..
ثمّ ستصبح نسيا منسيّا بعد 14 يوما على الأكثر.

هيا ابتسم: أنت مفكّر في العالم العربي!

مفهوم الجريمة

للجريمة مفهوم مختلف عندنا.. وهذه أدلّتي:
  • إذا كتب الشاب خواطره عن قضيّة عالمية ما فهو مجرم يستحقّ العقاب، ولكم في المدوّنة السورية طل الملوحي عبرة؛ طالبة جامعية لم تتجاوز ال20 سنة، يقال إنّها مجدّة ومتميّزة في دراستها ومجتمعها. لكنّها أجرمت فدوّنت عن القدس... من دمشق!
  • إذا أخطأ التلميذ في الفصل الدراسي أو نسي إحضار واجبه فهو مجرم يستحقّ العقاب، ولكم في الفيديو أسفله مشهد المجرمين وهم يعذّبون في الأرض. الأطفال الصغار هم شباب المستقبل وعليهم أن يعتادوا على النظام منذ نعومة أظافرهم، عليهم أن يتعلّموا أن لا مكان للخطأ أو العصيان، للشغب أو النسيان في عقولهم، هي جرائم على أي حال.


  • إذا دخلت قطّة للبيت فهي مجرمة تستحقّ العقاب، على القطّة أن تتعلّم ألّا تدخل بيوتا غير بيوتها، ولكي تتعلّم هذا فالغاية تبرّر الوسيلة: أمسكه من ذيله ودوّره عشر مرّات، إرمه من سطح البيت، دعه محبوسا في الغرفة، ولم لا إلعب به قليلا وأمض الليلة تطارده؟ عليه أن يتعلّم أنّه مجرم، ولا مكان للمجرمين بيننا.


  • إذا أُتّهِمَ أحدهم فهو مجرم، متهّم = مجرم ولا داع لمحاكمة أو تحقيق.. على المتّهم أن ينال قسطه من "التأديب" على يد المواطن الصالح المتضرّر من المتّهم؛ لا بأس لو رماه بعدّة طلقات نارية لقنص وحيش الغابة، فالمجرم ليس كائنا آدميا (ربّما قرد متنكّر في زيّ إنسان؟).. لا بأس لو دهسناه بالسيارة فالمجرم مجرم، وكلّ شيء جائز لكي يرتدع الآخرون.


  • إذا استفسر المواطن من الشرطة عن سبب التفتيش فهو مجرم، لا مجال للحطّ من هيبة رجال الأمن فنحن - معشر المواطنين - ننام نومة هنيئة كلّ يوم وهم يحرسون البلد فيضمنون الأمن والأمان. وكمثال عن مجرمي هذا الزمان خالد سعيد، مجرم، وجريمته أن مدّ لسانه على مخبري أمن فطلب سببا لتفتيشه.. حسنا؛ هلمّي يا شرطة وأنزلي بالمجرم العقوبة الراعدة له ولأمثاله! رحمك الله يا خالد..
  • يكفي يكفي!
"محمد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم"، أن نكون مع الرسول المصطفى يستلزم أن نكون رحماء بيننا، فهل نحن كذلك؟

        مراجعة لما سبق

        أكتشف، متأخّرا، الفهم الخاطئ لقرّاء مدوّنتي لما أكتب. نسبة الرسائل الخاصة التي أتوصّل بها تفهمني أنّ الموضوع بحاجة لوقفة..

        على سبيل المثال حديثي عن الكتب التي أقرأ، قولي أنّني قرّرت عدم القراءة لفلان لا يعني أنّني أكرهه، إنتاجه سيّء ربّما، أو لا يستحقّ أن يقرأ له الآخرون!
        كلّ ما هنالك أنّها قناعات شخصية، وما يثير شهيتي للقراءة قد يجده الآخرون قمّة في الملل. نفس الشيء بالنسبة للأسلوب، طريقة عرض المعلومات وكمّيتها، الفئة المستهدفة من المؤلّف وهلم جرا..

        كذلك بالنسبة لمن أقرأ لهم: إن قرأت في الشيوعية (مثلا) فهذا لا يعني أنّ الشيوعية مذهبي! إن أعجبت بطريقة صياغة أحداث رواية ما فهذا لا يعني أنّني موافق وأشجّع ما عُرض فيها..

        ومن جملة الأمثلة أنّني تحدّثت يوما عن علاقتي بالموسيقى، ذكرت أنّني لست من هواتها.. لو صادف أن وجدتني أستمع لموسيقى ما (لسبب أو لآخر، وهذا خارج الموضوع حاليا) فهذا لا يعني أنّني أظهر للقارئ الكريم شخصية غير شخصيتي الحقيقية. لا داع لكثير تفلسف وتبحّر، مع احترامي للفلاسفة والبحّارة..

        ولسبب أم لآخر وجدتني أستخدم برنامجا مقرصنا فهذا لا يعني أنّني أدعو الناس للبرامج الحرّة وأنسى نفسي! والأمثلة كثيرة في هذا..

        أحيانا، أجد القارئ يتعمّق في فهم جملة ما ويؤولها ألف مرّة حتى يصل لمعنى بعيد عمّا قصدته أنا، لا أدري أهي هواية أم ماذا؟

        على أي، لجميع القرّاء: لا تؤولوا كلامي ولا تحمّلوه أكثر مما يحتمل. معظم تدويناتي أكتبها بشكل مباشر لأنقر على زر "نشر الرسالة"، شيء من قبيل النشر التلقائي للأفكار التي تدور ببالي. نادرا ما أراجع التدوينات قبل نشرها.

        شيء آخر: أنت تفكر إذن أنت موجود، والعهدة على ديكارت.. صارت: أنت لا تردّ على التعليقات إذن أنت متكبّر مغرور! يا سلام ^_^
        حسنا، عدد التعليقات في مدوّنتي جاوز ال2000 تعليق منذ مدّة، أعليّ التعقيب عليها جميعا؟ وأحيانا أجد في التعليقات الموالية ما يغنيني عن إضافة تعليق ما..

        ماذا هناك أيضا؟
        لا أدري ما التصوّر الذي يكوّنه القارئ عن مدوّن ما، أريد توضيح نقطة مهمّة: ينشر معظم المدوّنين وهم في وضعية مريحة نفسيا، عموما، ولا يبرزون إلّا الجانب الإيجابي من حياتهم.. لا تتوقّعهم كذلك في حياتهم اليومية! المدوّن شخص عادي جدا فلا داع لتضخيم صورة المرء حتى لو صادفته في حياتك الواقعية ينكسر التخيّل ذاك بسرعة.

        بقيت الإعلانات: واضح أنّ مدوّنتي لا تحوي تبادلا إعلانيا ما، من أراد وضع رابط مدوّنتي عنده فجزاه الله خيرا، لكن لا تلزمني بنفس الشيء، والروابط التي أجدها مفيدة لي أو للقارئ أضعها في صفحة مدوّنات أتابعها، وأختصر: لا أؤمن بمبدأ التبادل الإعلاني في المدوّنات الشخصية.

        أخيرا: لا داع لتأويل ال^_^ التي أبعثرها في مواضيعي، تبسّمك في وجه أخيك صدقة، هي ابتسامة وليست سخرية أو استهزاء.