هل الرقي ببلادنا صعب لهذه الدرجة؟

هل فعلا نحتاج لمجهودات خارقة وجبارة، لنرقى ببلادنا؟
إليك حكايتي:
ذات يوم، وأنا أتجول بالدراجة الهوائية، صادفت أنبوب ماء شرب قد انفجر، الماء العذب الصافي ينسكب على الطريق ولا أحد يستطيع إيقافه.
الأنبوب ملكية عمومية لأجل إمداد المنازل بالماء الشروب، كما هو معلوم..
أكملت سيري وأنا أدري بتواجد مكتب لشركة الماء في الطريق (أمانديس)، وصلت وأخبرتهم عن الأنبوب المنكسر وسيلان المياه، ثم انصرفت لجولتي..

ساعة بعدها وإذا بي عائد للبيت من نفس الطريق، وصلت لأنبوب إمداد الماء الشروب ذاك فوجدت مجموعة عمال يقومون بإصلاح الخلل، سيارة تابعة لأمانديس بالإضافة إلى الشخص الذي أخبرته قبل ساعة عما رأيت!
جرني الفضول للإقتراب، وفهمت من الشخص ذاك أنني الوحيد من بلّغ عن تسرب الماء العذب هنا!

لحظة، أتساءل:

  • كم شخصا مر قبلي من نفس المكان ولم يبلغ عن التسرب؟
  • كم شخصا يقيم بالحي ورآى التسرب من بدايته، ولم يبلغ الشركة؟
  • كم شخصا تأذى من الأرض المبتلة فبدأ يلعن شركة الماء ويرميها بالإهمال؟
  • كم شخصا يقول إننا متخلفون لكنه لا يحرك ساكنا؟
  • كم شخصا ثرثر كثيرا عن المياه تلك لكنه لم يقم بأي رد فعل؟
  • ...
طبعا لست أزكي نفسي هنا، ولا أذكر القصة تفاخرا..
لكن يومها، أحسست أن التغيير للأفضل ليس صعبا للغاية، معظمنا لا يقوم بأي جهود تذكر للرقي ببلده، ومعظمنا يشتكي من بلادنا المتخلفة! كم نحن متناقضون..

هل ننتظر من شركة المياه تلك أن تكلف نائبا لها في كل حي ليبلغها عن أي تسرب أو خلل؟ لن يحدث ذلك أبدا. إذن لم لا نبادر إلى التبليغ (الذي لن يأخذ أكثر من 5 دقائق) عن أي عطب وخلل عوض أن نثرثر كثيرا حول خدماتنا المتخلفة وبلادنا العاجزة وشركاتنا الناهبة وشعوبنا المغفلة وووو.

حكمة صينية قديمة تقول: لا يحدث شيء عظيم أبدا بمجرد الجلوس، وهنا أستعير الفكرة فأقول: لا يحدث شيء عظيم أبدا بمجرد الثرثرة وكلام المجالس الفارغ..

الحكاية فوق لا تنحصر في مجال شركة الماء فحسب، بل تتعداها لسائر تفاصيل الحياة:

يحترق مصباح عمود إنارة عمومي، جميع الجيران متضررون، يشتكون من الظلمة الحالكة، يخافون من اعتداء أحدهم، يسبون المسؤولين ولا يفتؤون ينتقدون إهمالهم.. مر أزيد من شهر والمصباح لا زال في سباته الشتوي ^_^ الأهم: لا أحد من المتضررين قام بمحاولة إصلاح: لا أحد قدم شكوى لا أحد بلغ شركة الكهرباء أو البلدية أو العمالة أو حتى بواب العمالة! لا أحد توقف عن الكلام وحاول إصلاحا.. (شهور ثم قرر أحدهم التبليغ عن المصباح، يومين وعادت الإنارة!!!)

تحمل برنامجا من الأنترنت فتجده لا يدعم العربية، كثيرون يستنكرون الحضور المخجل للعربية في عالم التقنية، البرنامج يدعم البرتغالية والكورية واليوغوسلافية، لكن العربية؟ لا بالطبع! إذن الشركة إسرائيلية يهودية امبريالية ماسونية رأسمالية معادية للإسلام والعروبة وهلم جرا من الخزعبلات.. السؤال الآن: هل أرسل أحد المستنكرين رسالة لبريد الشركة يطلب منهم دعم العربية في إصداراتها المستقبلية؟ هل نقوم بدعم التقنية المحلية والمبرمجين المحليين؟ هل حاولنا يوما المساهمة في تعريب برمجية حرة ومفتوحة المصدر تجدها مترجمة لعشرات اللغات إلا العربية؟

تستخدم الحافلة للتنقل فإذا بالجالس جنبك يسترسل في الكلام عن الكراسي الضيقة والزجاج المتسخ والسائق الأرعن! ثم ينتقل إلى التعريفة الغالية وتأخر الحافلات عن مواعيدها.. كل هذا يبقى مجرد كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، هل قام أحدنا بتقديم شكواه لشركة الحافلات؟ هل سجل أحدنا رقم الحافلة واتجه لشركة الحافلات يبلغهم عن السائق المسرع الذي يعرض حياة الركاب للخطر؟ هل اتصل أحدنا بشركة الحافلات ناقما على تأخر الحافلة عن موعدها؟
تحدثت مع مسؤول استقبال في مقر شركة الحافلات تلك، أكد لي أنه لم يتلق أي شكوى من أي مستخدم منذ العصور الغابرة!

هذه مجرد أمثلة لا تتطلب منا القيام بمجهودات خارقة، لا تتطلب بذل مال أو عرق، فقط خطوات بسيطة في المكان الصحيح!

طبعا الأمر ليس بهذه السهولة، ليس بهذه المثالية، لو طلبنا من السلطة المحلية رصف شوارع الحي فلن نتلق شيئا مثل: سمعا وطاعة! رغباتكم أوامر معشر المواطنين.. ماذا لو حاولنا؟ ماذا لو قدمنا شكايات أنا وأنت وهو وهي وسائر سكان الحي؟
حتى ولو لم يحصل المراد فعلى الأقل حاولنا، لم نكتف بمجرد الثرثرة والإنتقاد في المجالس واللقاءات.. منطقيا: يستحيل فشل كل المحاولات.

أحيانا، يكثر أحدهم سرد عيوب البلد ويمر على جميع الوزارات، القطاعات العمومية، الشركات، الشعب، الجيران، الأشجار والعصافير! الجميع متخلف والبلاد كلها تحت الصفر، لا أحد يستحق الحياة وهو الوحيد صاحب الحلول الناجعة الكفيلة بالقضاء على كل مظاهر التخلف..
تستوقفه وتطلب منه جوابا لسؤال واحد: لو حصل مكروه لأحدهم، ما هو رقم الطوارئ للإتصال بالإسعاف؟ يجيب: لا أعرف!

مصر + الجزائر.. بربر + وحشية، ثم ماذا؟

كرة قدم؟ معروف أنني لا أتابعها..
لم أتابع مباراتي الجزائر ومصر، وتعمدت تجاهل الهالة الإعلامية المصاحبة للحدث.

لكن، حصل أن شاهدت صدفة، جزءا من برنامج مصري مباشر يتناول تفاصيل ما بعد المباراة. صدقا: ذهلت!

الحوار والمداخلات لم تكن من أشخاص بسطاء، قد تأخذهم العزة بالوطن فيسبون الآخر ويهينونه ويجرحون كرامته، قد أجد عذرا للمواطن المصري البسيط، ذو التعليم المتوسط وغير العارف بتفاصيل الحدث، تماما مثل المواطن الجزائري البسيط.. تجاوزات بعضهم البعض "محتملة" ولا بأس من غض الطرف عنها قليلا (وإن كان الأصح ألا تكون)، في النهاية كلا المواطنين لا يجدان متنفسا ليعبرا عن مشاعرهما، وبالتالي ينساقان للعاطفة العمياء في الأحداث المصيرية (أو هكذا يخيل لهما: صارت الكرة حدثا مصيريا).

لكن ما شاهدت في البرنامج مخالف لما سبق: تدخلات من رئيسي تحرير لصحيفتين، إداري بصحيفة الشرق الأوسط، لواء في الجيش، مدير لمؤسسة للدراسات الإستراتيجية بالشرق (أو شيء كهذا)، وهلم جرا..
المفترض أننا أمام أشخاص مثقفين، واعين، متحضرين، لكن خاب ظني..

لنفترض أن 20 جزائريا رشقوا المصريين بالحجارة في السودان، طيب، هل هذا يعني أن كلّ الشعب الجزائري متخلف همجي وحشي؟ أي منطق هذا بالله عليكم..
سمعت بأذنيّ كلتاهما المحاور يصف الشعب الجزائري ب"اللئيم" (تنبيه: وصف لشعب وليس لأفراد)، كذلك يتحدث عن وجوب "انقراض الشعب الجزائري"، أن الجزائريين "متآمرون ساقطون يدنسون كرامة مصر".. لوهلة خلت أن الجزائر ليست دولة مسلمة، ليست دولة يسكنها بني البشر، حاشا لله، الجزائر كيان مسرطن معدي يستحق النفي لزحل!

طبعا لست أشجع سلوك بعض الجزائريين الفوضويين في السودان، وتتحمل السلطة الجزائرية مسؤوليتها، لكنني ضد وصف شعب بأكمله بأوصاف لا تليق، بأوصاف مهينة ومستفزة، والكارثة أنها ممن يقال عنها: النخبة الإعلامية! أعَلى هذه الصحف والمعاهد والشخصيات يعول لنهضة البلاد؟ ناموا يا عرب فالليل طويل طويل.

ثم، هل هي أول مباراة في التاريخ تحصل فيها مناوشات بين مشجعي فرق كرة القدم؟ لا أظن ذلك. كما أن البرنامج تحدث عن المشجعين المصريين المتحضرين الهادئين اللطفاء الجميلين الوسيمين الناعمين الحبوبين، ذهبوا للسودان ودخلوا الملعب مشجعين ثم غادروا بهدوء والإبتسامة ترتسم على شفتيهم، كانوا لطيفين للغاية إلى أن إنقضت عليهم ذئاب الصحراء الجزائرية وقطاع الطرق الجزائريين، قبضوا عليهم جميعا وطبخوهم في قدر كبيرة فكانوا عشاء لذيذا على أنغام الموسيقى الوحشية الجزائرية..
كفى!
كفى مبالغة، المشجعون المصريون مثلهم مثل المشجعين الجزائريين (وغيرهم من بني يعرب)، معظمهم تأخذهم الحمية ببلادهم وينساقون وراء العاطفة، وارد جدا حدوث اختلالات أمنية ومواجهات هنا وهناك، فلم كل هاته المبالغة وكأن مشعجي مصر ملائكة الله في الأرض ومشجعي الجزائر زبانية جهنم في أم درمان.

لكن البرنامج كان طريفا نوعا ما، أتذكر حديث المحاور من مركز الدراسات الإستراتيجية ذاك (تيقنت أن ذلك المركز: صفر × صفر)، المحاور قال إن الجزائر أرسلت جنودا متخفين بتعاون مع إيران عبر طائرات عسكرية وقناة الجزيرة غضت الطرف عن هذا مع إصرار الحوثيين على إلهاء السعودية التي طلبت دعما من المغرب عبر السودان للقضاء على مصر وريادتها للمنطقة العربية في ظل خطة محكمة ووو.. (هذا ما أذكر للأسف)
لم أصدق أذنيّ! أكبر نكتة سمعتها في حياتي ^_^ لحد الآن لم أنجح في فهم 1% من تحليل المحاور الجهبذ: دول عديدة ومخططات سرية، جيوش مسلحة وأفكار إديولوجية، جماعات إرهابية وعصابات إجرامية، كل هذا في مباراة كرة قدم! أطلب من بلاتر الإستقالة فورا من إدارة الفيفا ^_^

ثم ينتقل البرنامج لعرض صور للشعب المصري، الشعب الذي اتحد من أقصى اليمين لأقصى اليسار ليدافع عن كرامة البلاد (كما يقول المحاور)، فقرر الشعب الأبي تنظيم غزوة على السفارة الجزائرية لاسترداد الكرامة المسلوبة، يا سلام! فِلم ولا في الأحلام.. أتساءل: هل نظم المصريون تظاهرة مشابهة أمام سفارة ألمانيا، وهل حاولوا التسلل إليها وتدميرها حينما قتلت مواطنة مصرية بطريقة بشعة على يد متطرف، وأمام أعين رجال الشرطة بألمانيا، وسط قاعة محكمة؟ أيهما أشد: تلك السيدة المصرية الشريفة التي قتلت غدرا، أم المصريون المشجعون بالسودان، الذين لم يقتلوا ولم يتعرضوا لأي إصابات خطيرة (تحدث السفير عن 11 حالة غير خطيرة فقط). أين الكرامة هنا؟ مجرد سؤال.

هنا يأتي دور الإعلام المصري، الذي استغل انتشاره العربي ووصوليته الفضائية، فضخم الحدث لدرجة رهيبة. والعزاء لإعلام الجزائر المسكين، والذي أشك في متابعة أحدهم له غير الجزائريين أنفسهم.

الآن أصل لنقطة مهمة، وهي تجاوز خطير للغاية، تجد الإعلاميين المصريين يتحدثون عن الجزائريين فيصفونهم بالبرابرة فصفات سيئة! ما هكذا تورد الإبل يا إعلام، ما هكذا..
"البرابرة"، من هم البرابرة؟ ومنذ متى كانت البربرية وصمة عار وذل وجبن، معاذ الله.. البربر (المصطلح الأصح: الأمازيغ)، البربر ليسوا عارا على الإنسانية ولا ذلا لها، البربر عرق إثني كغيره من الأعراق لا يجوز أن يمس ويهان، البربر حموا الإسلام والحضارة قرونا ولا زالوا، نسبة المسلمين من البربر أكبر من نسبتها لدى العرب لمن لا يدري (99% من البربر مسلمون، بينما العرب 90% فقط مسلمون)، من نشر الإسلام في الأندلس وغرب إفريقيا ليس أحدا غير البربر، ومعظم العلماء الأندلسيين والمغاربة مفخرة العالم والعلم ليسوا إلا بربرا (إبن بطوطة، إبن رشد، عباس بن فرناس، الشاطبي، القرطبي، يحيى بن يحيى، إبن الخطيب، المراكشي، إبن خلدون، إبن البيطار وغيرهم)، كيف يهان البربر على الهواء مباشرة ولا أحد يتكلم؟

لست هنا أتعصب لدمي فأنا أمازيغي، ولست أحمل عصبية الجاهلية التي قال عنها النبي المصطفى: "دعوها فإنها منتنة"، لكن كلمة الحق أقولها في وجه الإعلام المصري، قد بالغتَ كثيرا وفقدتَ مصداقيتك لدى عدة شعوب (المغرب والجزائر خصوصا)، أثبتَّ أنك متعصب حد الثمالة ولا تتبع طريق الرشاد.

لا أفهم لم تُرك الإعلام المصري يفتح النار والصواريخ على الجزائر، لهذه الدرجة. من أعطى الضوء الأخضر لكل هذا التهويل الإعلامي للقضية حتى صارت الشغل الشاغل والهدف النبيل، والضحية المسكين ليس إلا المواطن المصري الذي يتعرض لتعبئة وشحن سلبي أكبر من طاقته.

وقبل الختام، لا أنس ذكر بعض مما مررت عليه في النت: مقدم برنامج مصري يطلب من الشعب قتل الجزائريين أينما وجدوا! (ألا يستحق محاكمة على قوله هذا؟)، مقدم آخر يطلب طرد السفير الجزائري الحقير من مصر (أين أنت يا أيها السفير الإسرائيلي الطيبوب الحنون)، محاور يحث الشعب على الإعتصام أمام السفارة الجزائرية ولا بأس إن كسروا السيارات (مبروك الكرامة الوطنية الزائدة)، بقي أن نسمع عن إعلامي يطلب تطليق كل مصري تزوج جزائرية أو العكس، ولم لا تسميم كل الجزائريين عن طريق مركب سام مثلا.. الإبداع لا حدود له!

ملاحظات:
- لم أنتقد الإعلام الجزائري كما فعلت مع المصري، كون الأخير لا يقارن أمام نظيره: أقصى ما قام به كان عبر جرائد محلية لا يقرؤها أحد خارج الجزائر!
- حديثي عن مصر فوق ينحصر في إعلامها، وليس في شعبها، لدي أحباء هناك بل قرابة ودم. فلا يقولن أحدكم إنني أتحامل على مصر.
- بعض مشجعي الجزائر وكذلك بعض مشعجي مصر اقترفوا تجاوزات لا يسمح بها القانون ولا النظام، وكان من الممكن تجاوز كل الحكاية بشيء من حكمة.
- أكرر مرة أخرى: ليس من العقل في شيء تعميم أخطاء خاصة على شعب بأكمله.
- يبدو أن الإعلام في هذه الأيام لا عمل يشغله، فوجدها فرصة لتحقيق بعض نسب المشاهدة المرتفعة وكذلك شوية مداخيل..
- ليس من الحكمة قول الجملة التالية في الإعلام المصري: "نحن من علمناكم وشربناكم وأكلناكم"، بل الله هو الرزاق العليم.

قل لي ما هوايتك، أقل لك من أنت!

أتصفح مجلة لها صدى بين الفتيان العرب، أجد صفحة "ركن التعارف"، صورة ومعلومات، ثم الهوايات: المطالعة، الإنترنت وكرة القدم!

طبعا هذا السطر يتكرر بصيغة أو أخرى في حوالي 80% من الفتيان الظاهرة صورهم في زاوية ركن التعارف، ومن أراد التأكد فليتصفح أي مجلة عربية توفر صفحة لهذا!

15% الأخرى تحذف إحدى الهوايات الثلاثية (المطالعة، الإنترنت وكرة القدم) لتعوضها بشيء من هذا: السباحة، الشطرنج، مشاهدة التلفاز!

ومنه ف95% من شباب المستقبل لديهم نفس الهوايات، كلهم يلعبون كرة القدم، يطالعون الكتب، يتصفحون الإنترنت، وبعضهم ممن يقيم في السواحل يجيد السباحة، وأخيرا الشطرنج. أما التلفاز فلا يوجد بيت بدونه في زمننا هذا!

ما هذه الكارثة؟ لم تعرف البشرية هواية غير الهوايات الست المذكورة فوق؟
لنبدأ بكرة القدم، بمجرد ما أن يتعلم الصبي المشي حتى يشتري له أحد المحبين كرة! يا سلام على الإهتمام ^_^ ومع الأيام ترسخ في ذهن الصبي معادلة واحدة: الرياضة = كرة القدم..
أتساءل: كرة اليد، كرة السلة، التنس، الكاراتي، الجيدو ليست رياضة؟ لا تستحق أن تكون هواية لإخوتنا وأخواتنا الصغار، لصغار العائلة، للأبناء؟
أنظروا حولكم ولتحصوا نسبة الصغار التي تهوى التنس مثلا، أجزم أن لن تجدوا واحدا (مليون دولار لمن يجده :P)، لماذا يحصل هذا؟ ألا يستحق مجتمعنا تنوعا في الرياضة، وعوض التفكير في عضلات الساقين فقط، توجد في جسمنا عضلات أخرى تستحق بعض الحركات.
(هنا، أحمد الله أنني لم أحصل على كرة قدم في صغري، وإلا لكانت الكارثة بحق!)

طبعا لم أطالب بتوفير ملعب للكولف أو الكريكت، حصان أو ثلج من أجل عيون الفتيان! فكما أن رياضة كرة القدم لا تحتاج إلا كرة و4 عيدان لصنع شبكتين، فيا ترى ماذا تحتاج كرة السلة؟ كرة + شيء دائري أكبر قليلا من الكرة ليعلق في مكان ما، وها هو الملعب بين أيدينا! والعقل العربي لن يعدم كيفية صناعة حلقة دائرية، ولا ننس علاقة العرب بالصفر والدائرة ^_^

أنتقل للهواية الثانية: المطالعة! المطالعة لا أعتبرها هواية أصلا، تطالع ماذا؟ المطالعة بحد ذاتها ليست هدفا، بل وسيلة لتحقيق أهداف أخرى (بصفة عامة)، فمثلا من يهوى قراءة الروايات فليقل إن هوايته: الروايات (وإن شاء التفصيل، يحدد أي نوع من الروايات)، أما إن كان يقرأ عن الأدب والشعر فهوايته: الأدب العربي مثلا. مطالعة المجلات العلمية والموسوعات فهوايته: العلوم والمعرفة. وهكذا.. يبقى الإحتمال الأخير أن صاحبنا يطالع ما هب ودب، وهذه مشكلة أخرى!

مشاهدة التلفاز، مبروك على هوايتك المبدعة! أسرة هذا الفتى تحتاج لإعادة هيكلة، على سبيل إرسالهم للموزمبيق شهرا ليخرجوا بفائدة مهمة: التلفاز ليس أولوية، التلفاز ليس هواية، التلفاز لا يوضع في غرف الأطفال حتى يصبح هوايتهم الأولى!

ماذا هناك أيضا؟ آه الإنترنت ^_^ حسنا يا حبيبي، ماذا تفعل في الإنترنت؟ الجواب: أدردش، أنا هاكر عظيم (أخفتني يا هذا!)، أحمل آخر الأفلام وجديد الموسيقى، أممم نسيت، أجيد التعامل مع الكراك والكيجين! ينمو الفتى قليلا فيصبح مراهقا، لنكرر نفس السؤال: ماذا تفعل في الإنترنت؟ الجواب: لدي منتدى (منزوع التبليغ وvBulletin طبعا)، مصمم قدير (صار كل من يعرف تثبيت فوتوشوب يعتقد نفسه مصمما!)، مطور ويب كبير (أيضا: من يعرف طريقة تثبيت جملة أو ووردبريس يسمي نفسه مطور ويب)، كفى أرجوك، دع عني كلامك هذا!
(حتى لا أكون سلبيا، من الشباب العرب الصاعدين، محترفون ومصممون ومطورون في المستوى، تبارك الله عليهم، لي حديث عن هذا لاحقا.)

نقطة أول السطر..

وقبل الحديث عن الهوايات المقترحة، أذكر بعض الآباء وأولياء الأمور، هداهم الله، يؤمنون أن الهوايات مضيعة للوقت! فإن وجدوا الصبي يلاعب قطة يقولون: "قم لدروسك!"، إن كان يرسم: "إذهب لتدرس!"، إن وجدوه يقرأ قصة: "أنهيت الرياضيات ولم يبق لك إلا القصص؟ والله لن تراها من اليوم! قم لدروسك الآن!"، أما إن صادفوه يخترع هواية خاصة به أو يحاول اكتشاف ما يحصل داخل جهاز كهربائي، فربما يكون يوم الحساب العسير، اليوم الذي سيتعقد فيه الفتى ويكره الدراسة والهواية والحياة بأكملها..

تكلم إبن ربيعة رضي الله عنه يوما فقال: ألا كل شيء ما خلى الله باطل -*- وكل نعيم لا محالة زائل..
بعض الأولياء وكبار السن يرددون: ألا كل شيء ما خلى الدراسة باطل -*- وكل هواية لا محالة مضيعة للوقت! وليعذرني الأدباء على اقتباسي هذا. المضحك المبكي في نفس الوقت أن هؤلاء أنفسهم، لو عدت بهم لأيام الصبا لوجدتهم يمارسون كل أنواع الضجيج، يفتعلون كل المشاكل ويلهون ويمرحون كما شاؤوا، بل وتجدهم "فعلوا الأفاعيل" وشواربهم لم تنموا بعد، طيب حلال عليكم وحرام على أبنائكم؟
الهوايات ليست مضيعة للوقت، والدراسة ليست استثمارا للوقت، الأصح أن الدراسة + الهواية عاملان مكملان لبعضهما، لاكتساب تجربة حياتية وللحصول على تفكير ناضج ومتوازي. كما نحرص على توفير مدارس جيدة لأبنائنا فعلينا توفير هوايات وفضاءات استثمار لوقت فراغه، أن ننظم بين الأمرين ونجيد توزيع أيامه بين الدراسة والهواية، لا بأس أن نمنع الفتى من استخدام الإنترنت أيام الإمتحان، لكن لا ننسى أخذه لصالة كاراتي أو ينضم للكشفية في العطل مثلا (وليس أن نأخذه معنا لمركز تسوق أو مول ^_^).

ولمن أراد توفير هوايات جيدة لمن حوله فلن يعدم خيارا، لو زرت فصلا دراسيا بمدرسة أوربية ثم سألت التلاميذ عن هوايتهم، لحصلت على تنوع كبير في الهوايات، بل قد تصادف هوايات غريبة لم تسمع بها يوما! المفترض أن يكون لشبابنا نفس التنوع والإختلاف في أفكارهم ومشاربهم، ما الفائدة إن كان الجميع يهوى كرة القدم (رغم أن بلادنا تخسر دوما في المباريات الهامة :P). هنا أضيف معلومة هامة، فتنوع الهوايات وأوقات فراغ الشباب هو ما يدفعهم للإختلاف في الكبر، فتحصل على مجتمع زاخر معرفيا، متنوع من حيث الوظائف ومراكز العمل، مجتمع مبدع وثوري.
هنا أدعوكم للقيام بتجربة بسيطة: اذهبوا لأي مدرسة واطلبوا من التلاميذ كتابة مهنة المستقبل في ورقة، بعد إحصاء النتائج أجزم أنكم ستجدون ما يلي: "طبيب، مهندس، طيار" بنسبة 80% أو أكثر! 15% سيضيفون: "محامي، أستاذ، مدير مدرسة"! رغم هذا فدولنا العربية جميعها تعاني من نقص في الأطر الطبية، بناء عشوائي منتشر، شركات طيران خربة (باستثناء الخليج)، نظام قضائي مرتشي، تعليم متردي، ومديروا مدارس ولا في الأحلام!
(طبعا لا أقصد أن تعدد الهوايات يؤدي إلى تعدد الوظائف مباشرة، بل إن تعدد الهوايات يفتح آفاقا متنوعة أمام الشباب وينمي معارفهم في عدة مجالات، مما يساعد على الإكتشاف المبكر لميول كل فتى وبالتالي توجيهه للمستقبل الذي يليه به. باختصار: تعدد الهوايات أحد العوامل التي تؤدي لتعدد الوظائف المرغوبة وتنوع مكتسبات المجتمع.)

يبدو أنني ثرثرت كثيرا ^_^
مع هذا لم أذكر الهوايات المقترحة للفتيان والفتيات، وكذلك لي ولك! (موضوع آخر: من الرجال من لا هواية له أيضا!)..
أنتظر تعقيباتكم واقتراحاتكم، ثم أتمم الجزء الثاني من التدوينة.

افتراضات لا أساس لها من الصحة!

التقيت أحدهم ذات يوم بعد طول غياب، تبادلنا أطراف الحديث ثم طلب مني بريد MSN للتواصل. أجبت: "لا أملك بريد MSN" ومن جوابي فهم أنني شخص لا يستخدم الإنترنت ولا يعرف ما معنى MSN، سمعت محاضرة طويلة (كلها أخطاء بالمناسبة ^_^) حول فائدة MSN وHotmail وما جاورهما.

أحيانا، يبني المرء أحكاما شاملة وموسعة على أحدهم، انطلاقا من معلومات غير كافية بتاتا، ففي حالتي لو أمهلني السائل أكمل جوابي، لعلم أني أستخدم Gmail عوض Hotmail. لا بأس من التروي في الحكم على الآخر، كذلك: ما هو بديهي بالنسبة لي قد لن يكون كذلك للآخر.

ويا ليتها كانت الحكاية بناء أحكام مسبقة عن الآخر فقط، بل قد يطال الأمر افتراض جهله أيضا! أتذكر سفري ذات يوم عبر القطار فإذا بمجموعة تشاركني المكان، أحدهم يتحدث بسوء عن أجنبي معنا مفترضا أن الأخير لا يفهمه، ثم كانت المفاجئة: ذلك الأجنبي ذو العيون الزرقاء ملتزم الصمت من الصباح، يفهم اللهجة المغربية جيدا بل ويتحدث بها! ومع ذلك فقد كان كريم النفس فترك فلان حتى غادر، ثم عبر عن شعوره تجاهه! (حصلت لي حادثة مشابهة ذات يوم مع أحدهم، وفي القطار أيضا). هنا يبقى السؤال: علام يعتمد المجتمع لافتراض جهل المرء بلغة، تعبير، إيحاء، حركة وهلم جرا؟ كثيرا ما يسيء أحدنا للآخر على اعتبار افتراضات لا أساس لها من الصحة، فقط هكذا، الدماغ وما يقول!

ولأتحدث عن العكس: زميل يدرس معي منذ سنتين، كثيرا ما نتحدث عن الكلية وغيرها، المفارقة أنني وطوال سنة ونصف اعتقدته مسيحيا! كيف ذلك؟ الله أعلم ^_^ مرة كان يجلس قربي فأخذت دفتره لأبحث عن أمور دراسية تنقصني فإذا بي أصادف عبارة إسلامية وبالعربية! هنا سألته ساخرا: من أين أحضرت هذه؟ أخبرني أنه هو من كتبها فاستغربت: ومنذ متى أنت تجيد الكتابة بالعربية؟ (نتحدث الفرنسية فيما بيننا)، أجاب: منذ صغري! ذهلت فقلت: وهل تعرف معناها؟ قال: "وهل هناك مسلم لا يعرف معناها؟"
كانت عبارة لها وقع كبير علي، فكيف يعقل أنه مسلم ويتحدث العربية (اسمه غير عربي) وأنا أعتقده غير ذلك لمدة طويلة؟ (للإشارة: لم يكن تعاملي معه مبنيا على دين، فلكل حرية اعتناق ما يؤمن به) فكرت طويلا واستغربت كثيرا، فماذا حصل وعلى ماذا اعتمدت حتى افترضت أمورا لا علاقة لها بالواقع؟ والآن كلما التقينا أتذكر الحكاية وأقول: مسلم!

وعلى سيرة المسلم، كنت في مجلس لبضع أشخاص، ومعنا عسكري عمل بالقوات الجوية الفرنسية، امتد الحديث للفكر الإسلامي فبدأ أحدهم يتفلسف قليلا مفترضا أن العسكري لا يدري شيئا عن تاريخنا، كونه عاش بفرنسا وأمضى حياته في الجيش بين الطائرة والحامية العسكرية! كانت المفاجئة أن الصديق العسكري ذاك على اطلاع واسع حول الفكر الإسلامي، وعلى دراية شاملة بما خلفه علماء المسلمين وفقهاؤهم من كتب، بالكتاب الفلاني والجزء الفلاني والتعبير الفلاني!

هنا، أمر على قول من التراث لا أضبطه جيدا، لكن المعنى: أي أمرؤ صادفته فهو خير منك، إن كان أصغر منك سنا فقد يموت وذنوبك أكبر من ذنوبه، اما وإن كان أكبر منك فقد يكون جمع من الحسنات أكثر مما جمعت!

يوميات مع سطل النفايات

نعم، حتى سطل النفايات له مكان بالمدونة!

على بعد 20 مترا من البيت صندوق نفايات عمومي، لمجموعة البيوت المجاورة، كما بقية شوارع وأحياء هذا البلد السعيد.
الصندوق وضع هناك لكي ترمى فيه النفايات، "فيه" تعني داخل الصندوق وليس بجواره!
يأتي أحدهم ويضع النفايات بجوار الصندوق، كأنه يخجل من رميها داخله، تمر القطط بالمكان فتمزق الأكياس البلاستيكية، ثم يأتي دور الرياح لتبعثر كل شيء على طول الشارع!

حسنا، لو كان الفاعل شخصا غير واع، من البوادي والقفار أو متخلا عقليا لوجدت له عذرا، كيف هذا وكل الجيران ذووا وظائف مرموقة، بل الحي بأكمله ما بين الطبقة المتوسطة والطبقة الغنية. حاولت فهم الحكاية فلم أفهم شيئا..

شمرت عن ساعدي وجمعت كل شيء، عزائي لله، أكذب نفسي ب"عساها لن تتكرر". يومين وأجد الحكاية تكررت!

أطرح السؤال: "من الفاعل؟" فيتحد الجميع على إجابة واحدة: "الله أعلم"، إذن فالحي يقطنه أشباح غيرنا نحن الجيران، وهم من يسببون المشاكل كما يبدو..

قبل أسبوعين وجدت كومة نفايات كبيرة أمام صندوق النفايات العمومي، كومة بحجم عدة أمتار مكعبة الشيء الذي جعلها بمثابة مدينة الملاهي في أعين القطط، وبيت التزاوج في أعين الذباب! يا سلام ^_^
وبما أن شوارع الحي منحدرة، فهبوب نسمات هواء كفيلة ليحصل كل بيت على نصيبه من "بركة" النفايات..

مر اليوم واليومين والكومة تكبر تدريجيا، شاحنة جمع النفايات العمومية لم تجمعها وحجتهم: "مهمتنا إفراغ الصناديق العمومية فقط!". الحي صار بشعا متسخا، وأنا لا أقدر على جمع كل تلك الأزبال.

سألت الجيران واحدا واحدا أن من الفاعل؟ مجموعة أجابت: "نحن؟ مستحيل، لا لا"، بعضهم يستنكر الوضعية المتدهورة للشارع، وقلة قليلة من تأخذها العزة بالنفس وتعمل على تنظيف المكان (الأول تركي والثاني ألماني!).
كان لا بد من التدقيق في النفايات لاكتشاف الفاعل (نعم!)، نجحنا أنا وأحد الجيران الأتراك في معرفة المجرم، ويا للأسف فقد كان أحد الأغنياء العرب الذي جاء للإقامة بالحي مؤخرا!! (متوسط ثمن كراء البيوت في الحي: 3000 دولار شهريا).

هنا علامات استفهام كبيرة: تجد الشخص درس بالجامعات الكبيرة، حصل على وظيفة مرموقة، لديه سيارة وبيت وأبناء، لكنه لا يجد حرجا في رمي أزباله من سطح البيت لوسط الشارع مثلا (بدون حياء ولا خجل)، أو تجده يفرغ أزباله وبقايا الطعام قرب الصندوق العمومي! أي دماغ تحتويه جمجمة هؤلاء الناس؟

الطريف في الأمر، شكوت لأحدهم كومة الأزبال تلك فقال: وما المشكلة فيها؟ سيأتي المطر وينظف المكان! تبارك الله على الأفكار العبقرية، قد نافست أنشتاين في ذكائك يا رجل!
(هنا أفكر: كيف يفتح المرء نافذة غرفته فيشاهد كومة أزبال محاطة بسرب ذباب سمين، ثم يقول إن الأمر عادي؟)

كان الحل المؤقت أن أشعل النار في تلك الأزبال، وقد التهمت ألسنة اللهب كل شيء بما فيه نصف شجرة برتقال في الجوار..

أما الحل الدائم فهو اعتكافي في الجوار لألقن المجرم المقبل درسا في آداب النظافة!
ساعات فإذا بسيدة تأتي وتضع كيس نفايات بجوار السطل (علما أنه كان فارغا!)، وتغادر المكان، قد اكتشفت المجرم إذن!
توجهت مسرعا إليها وأجبرتها على رمي تلك الأكياس في داخل الصندوق وإلا فلن يمر اليوم بخير، وذلك ما كان..
غادرت وهي ناقمة علي، اعتقدت أنني سأخلي المكان، خاب ظنها :P
دقائق لتعود ومعها رفيقتان، وعدة أكياس من النفايات! حينها ارتفعت حرارة دمي فصعد إلى دماغي ووصلت مرحلة الغضب (فلم رعب هههه): عودوا من حيث أتيتم والله لن ترموا أي شيء هنا! اختلفنا في الحديث وهددت بالإتصال بالشرطة، ثم قالت لي إحداهن: أتدري من أبي؟ أبي كولونيل في الجيش! (كولونيل من المناصب الرفيعة في سلم الرتب). هنا بلغ بي الغضب أقصى حد واعتبرتها إهانة لي، فكان أن تواصلت مع الجيران ساعتها وشاركتهم الحدث، أنكر الجميع على ذلك البيت تجاوزاتهم فيما يخص النظام العام. اعتذارات وانتهت الحكاية.

ومن يومها والشارع كما كان سابقا، نظيف وجميل، أسراب الذباب اختفت والقطط صارت أنظف، أليس هذا أفضل؟

الخبر السعيد أيضا: انتقال الجار العربي لمكان آخر، وكذلك عائلة من تقول أبي كولونيل، الله على راحة ^_^

أرأيتم، حتى صندوق النفايات له حكايته الخاصة!
هل أسرد علكم حكاية أعمدة الإنارة العمومية؟ حسنا، مرة أخرى، كفاكم اليوم ^_^

* لم أذكر جنسية العربي الغني احتراما لمواطني تلك الدولة، وحتى لا يعمم الأمر. وتعمدت ذكر جنسية من يساعد على التنظيف تقديرا لجهودهم، ولعقولهم النظيفة. أما عائلة أبي كولونيل فتوضح أن من أبناء البلد من لا يهتم ولا يبالي، ومنهم من هو عكس ذلك تماما..