مأساة الوظيفة العمومية بالمغرب

لا أذكر متى سمعت عن أوّل مظاهرة للمعطّلين في الرباط، مطلبهم الرئيسي هو الوظيفة العمومية. كان هذا منذ زمن طويل جدا.. لا زال المطلب يتكرّر لحدّ الآن، مع تغيّر في الأشخاص، الأماكن وشكل المظاهرة حسب المواسم.

أزمة حقيقية نعيشها في المغرب، أزمة البطالة. تطلّ علينا التصريحات الحكومية بما مختصره أنّ حوالي 9% من المغاربة النشيطين عاطلون عن العمل، مصادر خارجية (تحظى بإنكار النظام غالبا) ترفع الرقم ل25%. الحكاية أنّ مفهوم التشغيل لدى النظام المغربي يحيد عن المنطق قليلا: فكونك "تشتغل" فلستَ بعاطل، لا يهمّ إن كنت تشتغل في جني الزيتون ومؤهّلك الجامعي إجازة في القانون الخاص، لا يهمّ إن كنت تشتغل في قطاع غير مقنّن أو غير معترف به أصلا، لا يهمّ إن كنت تحظى بتغطية اجتماعية أو لك تقاعد مريح.. المهمّ هو أنّك تقوم بشيء ما! وبالتالي فقد حقّقت الحكومة إنجازا ومعدّل البطالة في "مستوى منطقي".

يتحدّث المسؤولون عن عدم إمكانية تشغيل الدولة لجميع الخريجين، والذي يصل عددهم ل200 ألف سنويا. نفس التبرير أقرؤه في ساحات الحوار وتعليقات البوّابات الإخبارية. يبدو الأمر منطقيا: لا يمكن للدولة أن تشغّل الجميع، وبالتالي فالمطلب الرئيس للمتظاهرين (أي الوظيفة العمومية) غير منطقي، بطريقة أخرى: إبحثوا عن حلول أخرى غير التظاهر.

يبدو لي هنا سوء فهم للدور الذي "من المفترض" أن تقوم به الدولة: توفير الظروف الملائمة والعادلة لجميع الخريجين للعمل في القطاع الخاص، شيء غير دورها الحالي الأقرب لمكتب توظيف.

لكن، وللأسف، فالدولة لا تقوم بمجهود حقيقي لحلّ المشكلة. يتخرّج الطالب من الجامعة وفي يده إجازة أو ماستر، دكتوراه ربّما، في عقله الكثير من الكلام النظرّي (وهنا نعود لإشكالية النظام الجامعي، مرّة أخرى). لنفترض أنّ الشخص هذا والذي كان طالبا البارحة، هو اليوم باحث عن عمل، أراد إنشاء شركته الخاصة، أوّل ما سيصطدم به هي بيروقراطية الإدارة المغربية، تطلّب منّي إنجاز سجلّ تجاري سابقا 3 أسابيع (وطبعا كان بإمكاني الحصول عليه في دقائق، الجميع يعرف الطريقة). وحتى لا أستمرّ في مسلسل انتقاد الواقع دون عرض حلول كما تقول سناء، هذه حلول في البال:
  • أيّا كان تخصّص الطالب فله إمكانية الاستفادة من مواد جانبية عن المقاولات، إنشاء الشركات وتسييرها، نظرة قانونية للموضوع... المطلوب هو أن يتخرّج الطالب ولديه سابق معرفة بالقطاع الخاص، بل ولم لا يكون مشروع التخرّج تأسيس شركة تقدّم خدمات ما في مجال تخصّصه؟ أعرف الكثير من أصحاب الشواهد العليا وإن سئل عن الفرق بين الشركة مجهولة الإسم والشركة ذات المسؤولية المحدّدة. شيء آخر: من نتائج النظام الجامعي قتل روح المبادرة والعمل الخاصّ لدى الطالب، لم لا إعادة إحياء الروح تلك والتشجيع على استغلال الفرص المتاحة في القطاع الخاص؟
  • الإستثمار، النقود بعبارة أبسط، لا أدري لم عليّ صرف حوالي 7000 درهم (..) من أجل تأسيس الشركة وحسب! ناهيك عن حكاية رأس المال والمقرّ والكثير من العراقيل. تخفيض الإجراءات الإدارية لأدنى حدّ ممكن (ألم يسمعوا عن التجربة الكندية في تأسيس الشركة، عبر شبّاك وحيد، وخلال دقائق؟)، تخفيض المبالغ المالية اللازمة للتأسيس (ألم يسمعوا عن دول عديدة، بعضها متقدّم وبعضها من العالم النامي، تتيح تأسيس الشركات مجّانا؟)، وإعفاء حقيقي من الضرائب في البداية، بكلّ تأكيد ستكون حلولا مساعدة على توفير فرص شغل كثيرة.
  • لماذا لا تضمن الدولة لكلّ صاحب شهادة عليا، إمكانية الحصول على قرض بدون فوائد وبدون قيود زمنية؟ مبلغ مالي كاف للاستثمار أو على الأقلّ الدخول في الدوّامة، على أن يردّه لاحقا في حال نجاح مشروعه، حصوله على وظيفة أو أيّ طريقة أخرى.
على الدولة أن توفّر الظروف المناسبة والكفيلة ببدء أيّ نشاط تجاري مرغوب من طرف حاملي الشواهد العليا، حينما نقول إنّ الدولة غير قادرة على توفير مناصب شغل للجميع فهذا لا يعني أنّها غير مسؤولة عن الوضع المتردّي الذي يعيشه القطاع الخاص. فالبعض وإن أتيحت له فرصة العمل في شركة خاصة يرفضها، لا يرضى بغير الوظيفة العمومية، له مبرّراته طبعا:
  • المبرّر الأوّل أنّ القطاع العام "أكثر أمانا". قرأت سابقا كتابا عن نهضة ماليزيا وفيه أنّ مهاتير حرص على أن تكون الإمتيازات التي يحظى بها القطاع الخاص أكبر من تلك في القطاع العام. النتيجة كانت مذهلة. يبدو أنّنا بعيدون عن هاته المرحلة فالمطلوب في المغرب هو المساواة بين القطاع الخاص والعام، بطريقة أخرى: تأمين اجتماعي واحد، نظام تقاعد واحد، قانون مشغّل واحد، امتيازات اجتماعية واحدة (اختلاف الفوائد البنكية بين القطاعين، أيّام عطل وفترات عمل متباينة...). على الدولة إذابة الفروقات بين القطاعين، والعمل على تحويل مقولة "القطاع العام أأمن" لجزء من تاريخ المغرب الماضي.
  • في الوقت الذي يضمن فيه موظّف القطاع العام راتبا مدى الحياة فأصحاب القطاع الخاص متوجّسون من احتمال طرد تعسّفي أو غياب سلطة القانون، ولم لا إفلاس غير متوقّع للشركة. على النظام القضائي أن يكون محايدا وسلطته فوق الجميع، المواطن فقد جزئيا ثقته في الجهاز القضائي..
  • أحيانا أفكّر: لم لا يكون القطاع العامّ بعقود محدّدة الأجل، أقصى مدّة لأيّ عقد بدءا من رئيس الحكومة إلى حارس الملحقة الإدارية هي 10 سنوات، بعدها يلزم الموظّف باجتياز اختبار كفاءة ومقدرات مهنية للحفاظ على منصبه، أو الإنتقال لمنصب أعلى، أو الاستغناء عن خدماته الجليلة! لدينا الكثير من الموظّفين الأشباح، وكذلك الموظّفون الذين لا يقومون بأيّ أعمال جدّية،  آخرون تراجعت كفاءتهم المهنية فما تعلّموه ف السبعينات غير صالح لزمننا هذا، وأخيرا معظم الموظّفين ينقطعون عن التعلّم بمجرّد الحصول على الوظيفة! أخبرني صديق عائد من اليابان أنّ جميع الموظّفين هناك ملزم بساعتين في الجامعة كلّ أسبوع، لكي يحافظ على مكتسباته ويبقى مسايرا لمستجدّات العصر.
قبل الدخول في بقية التفاصيل، فكلّ ما ذكرته فوق لا يسمن ولا يغني من جوع إذا لم يعط المسؤولون الحكوميون صورة حسنة عن الوظيفة العمومية، وإذا لم ينطبق عليهم القانون!

ما معنى الثرثرة فوق في ظلّ سيطرة أسر محدّدة على كثير من المناصب السيادية في المغرب، أسرة الفاسي الفهري مثلا؟ أيّ قيمة للمال العام إذا اكترى الوزير سيّارة أودي8 بأكثر من قيمتها الفعلية من ميزانية الشعب، كما تداول الإعلام مؤخّرا؟

أذكر يوم عيّن الملك عبّاس الفاسي على رأس الحكومة في الوقت الذي يحمل فيه هذا الأخير تهمة تسمّى فضيحة النجاة، عن توفير فرص شغل لكثير من المغاربة وآمال موهومة ونقود قد صرفت، فكانت "التشريف" أن صار وزيرا أوّلا! يبدو أنّ "الإشارة المولوية" واضحة فكان أن وفّر الوزير مناصب شغل كافية، لكن لأولاده وأحفاده وأهل بيته الكرام :)

للموضوع تتمة.. 


نعم، يمكننا مواجهة البيروقراطية المغربية!

إحدى مظاهر البيروقراطية المغربية، المعاشة يوميا، حكاية المصادقة على الإمضاء والنسخ طبق الأصل في المقاطعات والمصالح الإدارية. أيّ خطوة تقوم بها في هذه الغابة السعيدة فأنت ملزم بإحضار نسخة طبق الأصل من بطاقة التعريف، القاعدة تقول: أنت متّهم بالتزوير ما لم تثبت العكس!

بالمناسبة، قانونيا، يمنع على المقاطعات إنجاز نسخ مطابقة للأصل لبطاقة التعريف الوطنية. النسخ العادي كاف، من باب تسهيل الإجراءات الإدارية.
مهلا، "قانونيا"؟ ما هذا المصطلح المندسّ! لنقل "نظريا" فهذا الأقرب للواقع، القانون المغربي (وأيضا دستوره) ليس إلّا مجرّد نظريات، يحصل أن تطبّق أحيانا، وجميعنا يدري على من يطبّق القانون، ومن يملك حصانة ضدّه..

المهمّ، كنت أحضّر مؤخّرا ملفّ إعادة تسجيلي في الجامعة، وكما العادة فيا عزيزي الطالب عليك أن تسحب ملفّك من المكتب أ وتقدّمه للمكتب ب، والطريف في الأمر أنّ باء هذا يطلب منك إحضار نسخ مطابقة للأصل لدبلوماتك وشواهدك كلّها! لست أدري من اخترع هذه المسطرة الإدارية، الثابت أنّ جسمه يحوي غدّة تفرز هرمون الغباء أكثر من المعدّل المطلوب، أو ربّما هرمون الذكاء، من يدري؟

توجّهت لأقرب مقاطعة (وفي رواية: بلدية) لإنجاز نسخ مطابقة للأصل، بعد أن حان دوري سألني الموظّف (مع الإحترام للفظ "موظّف") عن محلّ إقامتي فأجبته، رمقني بنظرة بلاهة ممزوجة بسخرية قائلا: "توجّه إلى مقاطعتك"، أخبرته (بلطف) أنّه من المعلوم إمكانية إنجاز نسخ مطابقة في أيّ مقاطعة في المغرب، لم عليّ التوجّه لمقاطعة حيّنا البعيدة؟ للأسف حصلت على ردّ ساخر، وهو ما جعلني أنتقل للخطّة ب.
بالمناسبة، قانونيا، يحقّ للمواطن استخراج نسخ مطابقة للأصل (وكذا المصادقة على الإمضاء) في أيّ إدارة أينما كانت في المغرب. "قانونيا" مرّة أخرى؟

قصدت قائد المقاطعة (أي أعلى سلطة في المبنى)، رحّب بي (لاحظت أنّ القياد ومدراء الإدارات حسّنوا قليلا من تعاملهم، ربّما خضعوا لتكوين ما..)، أخبرته الحكاية فكان جوابه صادما قليلا: "أنا غير مسؤول عن المكتب ذاك، لديه رئيسه وهم مستقلّون عنا"، ارتسمت على وجهي ابتسامة بلاهة ويبدو أنّه فهم الرسالة :) دخلنا في نقاش طويل عن شباب هاته الأيام الثائر وغير الملتزم بالنظام، عن الإجراءات الإدارية المفترض فيها البساطة، عن تعاملنا (نحن كمواطنون) باستعلاء أمام الموظّفين العاديين في إدارته (؟)، ثرثرنا مطوّلا يومها. حاول إقناعي بأنّ روايتي عن حقّ المواطن في استخراج نسخ مطابقة للأصل من أي إدارة، رواية باطلة. ثم لاحقا، نص قانوني لم أفهمه جيّدا، ثم وبعد أن طلبت النصّ القانوني أجاب: "ربّما هناك تغييرات فعلا".

كان عليّ انتظار قدوم رئيس المكتب حتى أخبره بحكايتي، لعلّي أستعيد حقّي. انتظرت مطوّلا إلى أن جاء، أخبرته الحكاية فكان ردّ فعله آنيا: أخذني للموظّف ذاك وطلب منه إنجاز أوراقي الآن، هنا أحسست بنشوة النصر :)
ما حصل لحظتها هو خروج رئيس المكتب، علّق الموظّف على وضعي قائلا: "فقط لأنّك طالب جامعي فسأتساهل معك وسأنجز أوراقك"، كان جوابي عبارة على وزن: "لا يا عزيزي، من حقّي عليك أن تنجز مهمّتك، ليس فضلا لك عليّ"، وهو جواب لم يستسغه فعدنا لنقطة الصفر مجدّدا!

ما العمل الآن؟ ليس الوقت المناسب للدخول في شجار سأكون فيه الخاسر. بما أنّ يومي ضاع فلأتابع للنهاية..

نحو قائد المقاطعة مجدّدا، استغرب حينما علم أنّني لا زلت هنا منذ الصباح ولم أصل لحلّ توافقي مع الموظّف المعتوه في إدارته! لا أذكر ما الذي تفوّهت به لحظتها تعبيرا، شيء من تحميل المسؤولية له شخصيا. النتيجة: رافقني للموظّف ذاك، نهره قليلا، وحصلت على أوراقي :)

الآن، لم أحكي هاته التفاصيل؟
بكلّ بساطة: معظم المواطنين يتساهلون في تطبيق القانون ولو على حساب مصلحتهم، القاعدة هي: اختيار أسهل الحلول وأوفرها للوقت والجهد، شيء مثل:

  • درهمين أو ثلاثة كافية لتغيير أقوال الموظّف من "توجّه لمقاطعتك" إلى "فقط هذه المرّة، لا تكرّرها مجدّدا".
  • 10 دراهم لتحصل على تغيير أكبر: "مرحبا بك، تفضّل، هل من خدمة أخرى يا سيّدي؟"
  • 50 درهم، خدمة VIP: "تفضّل رقم هاتفي يا سيّدي، لا تتردّد في الإتصال بي متى شئت، يمكنني الحضور لبيتك لإنجاز أوراقك، لا داع لأن تتعب نفسك!"
  • "من طرف فلان الفلاني"، هذا يعني أنّك تعرف شخصا يعرف شخصا يعرف إمبراطور اليابان كما يقول أحمد المغربي.
بينما الأصل غير ذلك.
هي حلول تؤتي أكلها آنيا، بكل تأكيد. غير أنّ ممارس هاته الحلول عليه التوقّف عن الثرثرة في مواضيع الإصلاح، الديموقراطية، الحكامة، العهد الجديد (يضحكني هذا المصطلح بالمناسبة)، دولة الحق والقانون وما جاور. وإلّا فعليه الإكثار من تناول مضادات الدوبامين، ريسبريدال مثلا، يقول المجرّبون إنّه فعّال في القضاء على أعراض انفصام الشخصية.

طبعا هناك حلول أخرى على سبيل الإنسحاب من المواجهة، شيء مثل الإنصياع للواقع. في حالتنا هاته: التوجّه لإدارة أخرى لإنجاز المهمة، مع الحولقة طوال الطريق، أو ربّما سبّ وشتم، كلّ وطريقته في تصريف الغضب الداخلي.

هممم، يحصل أن أميل لخيار الإنسحاب بدوري، حسب الظروف. ما أريد إيصاله من هذا الموضوع: لنحاول ألّا ننسحب خلال مواقف مشابهة، ولو مرّة في الشهر! صحيح أنّك ستضيّع نصيبا غير هيّن من وقتك، قد تضطر لشوية جدال عقيم، أخذ وردّ وسخرية وربّما الخروج بنتيجة سلبية. لا بأس: إفعلها مرّة واحدة.. وستتغيّر نظرتك للموضوع :)


المقاطعات، الإدارات العمومية والشركات شبه العمومية التي يتعامل معها المواطن بشكل يومي (أو يجبر على التعامل معها) ليست إلّا نموذجا مصغّرا لما يحصل في غابتنا السعيدة، إذا لم تنجح في الحصول على حقّك من أدنى موظّف في المصلحة الإدارية لحيّك ف.. لا أتفاءل فيما يخصّ إشكالا أعظم!

حصل ذات يوم أن طلبت تأشيرة من دولة أوربية، ولم تكن أوّل مرّة أتعامل مع سفارات الإتحاد الأوربي. ما حصل أنّهم قبلوا ملفّي، حدّدوا موعدا للعودة وأخذ الجواز، وذلك ما كان. عدت في الموعد المحدّد وعوض أن أستلم التأشيرة حصلت على جواب مطبوخ في القطب الشمالي من شدّة برودته: "نأسف، لكن لا يمكننا منحك التأشيرة!"، استفسرت عن السبب فكان مطبوخا في الشمس من شدّة حرارته، شيء من قبيل: "نتخوّف من عدم عودتك"، صرتُ متّهما إذن!

طلبت مقابلة السفير (ولاحقا: أي شخص مسؤول) لأتحدّث معه، لم يكن سهلا تجاهل نظرات وملاحظات لا خير يرجى منها. رافقني رجل أمن لمدخل السفارة، وفي الطريق أخبرته أنّ ما حصل غير مقبول، أجابني بردّ ساخر: إرفع عليهم دعوى قضائية إذن!

وذلك ما كان: أرسلت نسخا من أوراقي مرفقة بوكالة، لمحام أوربي تكلّف بقضيّتي، ثم أوراق إضافية مرّة أخرى.. كانت تجربة مختلفة :)
بالمناسبة، لم يطلب منّي أيّ وثيقة مصادق عليها، بل حتّى إمضائي على الوكالة كان بدون مصادقة! لا أدري متى ستنتقل هرمونات الذكاء الخدماتي منهم إلينا.

لاحقا، وصلنا لحلّ مرض لجميع الأطراف، طلب منّي المحامي التوجّه للسفارة. دخلت هاته المرّة وفي يدي وثيقة واحدة: جواز السفر، كان تعامل الموظّفين هناك مختلفا عن السابق، يبدو أنّهم غير معتادين بتاتا على حالات مشابهة! المهم، حصلت على التأشيرة تلك في ظرف وجيز جدّا :)
أثناء خروجي التقيت رجل الأمن السابق مرّة أخرى، أخبرته أنّني طبّقت نصيحته، لم يصدّقني ربّما فتركته على حاله..

حكايتي مع حقائب السفر

تحدّث المهيري عن سفره للهند وعرض صورة لحقيبة سفره، ذكّرني بمواقف حصلت لي وها أنا أكتب تدوينة :)

أخبرني المجرّبون أنّ حقائب السفر بلاء عظيم، غير أنّني لم أهتم كفاية إلى أن جرّبت!
كنت في سفر لمصر.. سافرت بحقيبتين مجموع وزنهما حوالي 45 كيلوغراما، زائد حقيبة أدخلتها للطائرة (حوالي 12 كيلوغرام)، زائد حقيبة يد تحوي حاسبي وشوية إلكترونيات!
مهلا، ليست كلّها أغراضي. شيء من قبيل: "أوصل هذه لفلان وتلك لفلانة"، وهكذا لم تكن ال45 كيلوغراما إلا أغراضا مهمّتي إيصالها للجهة الأخرى من الكرة الأرضية، والسلام!
لاحقا وفي رحلة العودة، تكرّرت "العقوبة" بأغراض إضافية (من قال إنّني أهوى التسوّق؟)، وصلت مطار الدار البيضاء وكان عليّ انتظار الرحلة التي ستأخذني لطنجة وهذا ما لم يحصل! لدينا ما يسمّى ب"الخطوط الملكية المغربية"، بقّال حيّنا يجيد تنظيم شؤونه بطريقة أفضل حسب ما يبدو.. المهمّ بعد انتظار طويل انتهى بمشاكل مع الموظّفين هناك بالمطار، تخلّيت عن حقائبي في المطار بل وتخلّيت عن تذكرة الطيران عائدا في سيّارة نقل جماعي إلى طنجة. يومها كنت غاضبا (جدا) لدرجة أنّني التقطت صورا (بهاتفي الكاريكاتوري) لبعض الموظّفين الذين أساؤوا معاملتي لكي أشهّر بأفعالهم (ثم غفرت لهم! يا لطيبة القلب :P)، قمت بأمور أخرى، مكانها موضوع آخر. بعد 4 أيام وجدت حقيبتي في مطار طنجة.

وهكذا تعلّمت أنّه ما من شيء أسوأ من السفر بالكثير من الأغراض، خصوصا إن كان سفرا طويلا يستوجب تغيير الطائرة، ستتعقّد حياتك يا عزيزي المسافر :)

في سفر آخر كان عليّ إيصال "صندوق خشبي"  للجهة الأخرى، وبما أنّ الصندوق ذاك مقفل بإحكام، يحوي قطعا بلاستيكية ومعدنية وشكله الخارجي مثير للإنتباه فلا يوجد شرطي رآه معي ولم يستفسر عنه، أما أصحاب الماسح الضوئي فحكايتهم حكاية (يبدو كصاروخ، كلاشينكوف حينما يظهر محتوى الصندوق على الشاشة هههه). المهم وصل الصندوق في النهاية، وكان الدرس: لا تحمل أشياء عجيبة، مثيرة للإنتباه، أو صندوقا يستلزم ساعة شرح حتى يقتنع رجل الأمن أمامك أنّك لا تهدّد أمن الطائرة.

في رحلة أخرى سافرت بحقيبة واحدة من الحجم المتوسط، على أن تظلّ ضمن أمتعة الطائرة حتى لا أتعب نفسي في التنقل بها داخل المطار (حكاية الترانزيت في مطار ما قبل الوجهة الأخيرة)، كانت فكرة برهنت على فشلها بشكل كبير! ما حصل هو أنّني انتظرت حقيبتي مطوّلا لأكتشف في النهاية ضياعها في مطار آخر، وبالتالي فسأبقى بدون أغراضي لحين العثور على الحقيبة وإرسالها لي!

وهكذا وصلت لألمانيا بدون ملابس :)
اضطررت وقتها لشراء ما يلزم بعدما فقدت الأمل في استعادة الحقيبة خلال الأيام الأولى. المفاجأة: قبل 5 دقائق من مغادرتي إتّصل أحدهم قائلا: "مرحبا، لقد وجدنا حقيبتك!" يا عزيزي ماذا سأفعل بها الآن؟ النتيجة أنّ الحقيبة تلك طافت معي العالم ولم أستفد منها، وها هي تعود من حيث أتت، مع احتمال أن تضيع مجدّدا في طريق العودة.

الدرس المستفاد: ما أحلى السفر بدون أمتعة! قصدي الأمتعة التي تدخل بطن الطائرة. أفضل حلّ هو الحصول على حقيبة صغيرة يمكن إدخالها للطائرة (طول+عرض+ارتفاع = 115 سنتمتر أقصى مقاس مسموح به)، ضع في الحقيبة هاته ما ستحتاجه فعلا من ملابس أو أغراض. حقيبة ظهر أخرى للحاسب والإلكترونيات. بهذه الطريقة ف:

  • احتمال ضياع حقائبك ضعيف جدا، بكلّ بساطة هي معك. هو وضع متعب قليلا إذا كان سفرك على مراحل بين مطارين فما فوق، لكن صدّقني: احتمال ضياع حقائبك يزداد أيضا في هذه الحالة.
  • لا داع لانتظار حقائبك في نقطة الوصول، بمجرّد نزولك من الطائرة أنت حرّ :)
  • كلّ أغراضك قربك متى ما احتجتَ إليها.
  • حينما تسافر بحقيبة صغيرة فأنت مضطر لأخذ ما ستحتاجه فعلا فقط.
  • يمكنك تغيير خطط سفرك بسهولة: تغيير وجهة السفر، وسائل نقل أخرى، المشي...

قبل أقلّ من شهر كنت في زيارة للأردن، وبما أنّه لا خطّ مباشر بين طنجة وعمّان فكان عليّ التوجّه للدار البيضاء ومن ثمّ إسطنبول ومنها لعمّان. هممم، كانت رحلة متعبة والحمد لله لم آخذ معي أغراضا كثيرة. المفاجأة: وصلت لعمّان وها أنا أمام وضع جديد: محمد، أنت شخص غير مرحّب به في الأردن، عد من حيث أتيت! تمّ "اعتقالي" مؤقّتا في انتظار أوّل رحلة عودة لتركيا، وذلك ما كان.
المهم، لو سافرت وقتها بحقيبة أرسلتها مع أمتعة الطائرة لما عادت إليّ بكلّ تأكيد :)

بعض المواقف العجيبة:
  • من المعلوم أنّ إدخال قنينة ماء إلى الطائرة ممنوع، غير أنّه يتمّ التساهل في الأمر في حالات كثيرة. كانت معي قنينة ماء صغيرة في مطار عربي وطبعا منعني الشرطيّ من إدخالها معي. أخبرته أنّني أحتاجها فعلا فكان جوابه: "معك نقود؟ ما تبقى لديك من العملة المحلية قادر على حلّ المشكلة!" هممم، تفاجأت من "جرءته" فعلا :) وطبعا لم يتركها معي.
  • تأكّدت من الحكاية لاحقا: يمنع إدخال ما فوق 100 مللتر من السوائل، حسنا لا بأس. الحلّ هو أخذ أيّ قارورة وتعبئتها للمنتصف، إذا مرّ الأمر بسلام فالحمد لله، وإلّا: "أنظر، هنا 100 مللتر فقط!"، نجحت الطريقة لاحقا :)
  • إذا كانت وجهتك أوربا أو الدول الغربية بصفة عامة، سافر بحذاء عادي أفضل، حتى تتجنّب حكاية "أزل حذاءك يا عزيزي حتى نتأكّد من أنّه لا يحتوي على تركيبة كوكاكولا السرّية"..
  • بعض الأغراض التقليدية والمعتادة في المغرب قد تكون مثيرة للشكوك في دول مجاورة. أوقفتني شرطية في مطار مدريد وهي تستفسر عمّا أحمله معي: "تشن كل تشن كل تشن كولي كلا ههه"، يا شريرة لم أفهم أي حرف من كلامك السريع! طبعا فكلّ ما أعرفه من اللغة تلك يصبح سرابا حينما يسرعون في حديثهم. في النهاية لم "نتفق" وأخذت ما كان معي تحت ذريعة: "ممنوع إدخاله للطائرة"، أمّا عن ماهية الشيء ذاك فهذا سرّ :P
  • ذات يوم كنت مع أحدهم (أتوقّع أنّك تقرأ هاته التدوينة ^^) في سفر طويل مع فترة ترانزيت. حصل أن امتدّت فترة الترانزيت تلك لحوالي 19 ساعة كاملة! (ألم أقل سابقا إنّ بقّال حيّنا يجيد تنظيم شؤونه أفضل من الخطوط المغربية؟)، وبما أنّه لم يسمح لنا بمغادرة المطار فماذا سنفعل في هذا السجن الكبير طيلة ال19 ساعة مقبلة؟ نعيد نقد نظريات التطوّر والنشوء مثلا أم ماذا؟ المهم بعد استنفاذ جميع الحركات وبعد أن تعبنا، بدت حقيبة السفر كمخدّة شهية واتّخذ المعطف شكل غطاء حريري لذيذ، وهكذا نمنا في صالة الانتظار بالمطار :D فائدة مبتكرة للحقيبة، لذا دعها بجانبك دوما فقد لن تجد بديلا عنها..

منوعات


  • إن كنت صاحب مشروع محتوى، مشروع خدمي أو ترفيهي بالعربية، رشّح مشروعك لجائزة زاجل لأفضل المشاريع العربية الناشئة. ينتهي الترشيح مع نهاية السنة.
  • إن كنت مدوّنا (أو مدوّنة) مغربيا، مهتما بالتدوين المغربي، أو مصطلح "التدوين" مثير لفضولك، مرحبا بك في لقاء المدوّنين المغاربة الذي سينظّم يوم السبت 24 ديسمبر بتيفلت (غير بعيدة عن الرباط)، للمزيد من المعلومات إليك مجموعة المدونين المغاربة على فيسبوك، أو تواصل معي أو مع أيّ من المدوّنين المشاركين.
  • سواء ستشارك في لقاء المدوّنين المغاربة أو لا، سيتم توزيع مجموعة من الكتب لفائدة تلامذة المرحلة الإبتدائية، لذا هي فرصة للمساهمة بكتاب :)
  • سيرين عادت للتدوين! نكتة ديسمبر 2011 :P
  • رغم أنّ أسامة الشهبي مضرب عن التدوين منذ زمن طويل، إلّا أنّه ينشر صورا مميّزة على مدوّنته بتمبلر (شبه مدوّنة في الواقع)، تعليقاته بالدارجة المغربية: Moi en bref.
  • ما معنى الغيبة؟ فلم قصير من 3 دقائق يشرح الأمر:
  • زاجل إجابات، خدمة من مدوّنة زاجل للأسئلة المرتبطة بالتقنية، ريادة الأعمال والويب.
  • أنس، مدوّن من طنجة، نشر مؤخّرا روايته الأولى مسارب إبليس، تستحقّ القراءة :)
  • أمال الصالحي، مدوّنة مغربية من باريس، وأماكن أخرى...
  • :)

قصص قصيرة بمناسبة الإنتخابات

  1. ضع أمامك إسم مترشّح للإنتخابات المغربية المقبلة
  2. إبحث عن ما يسمّى "البرنامج الإنتخابي" لحزبه، خذ منه فصلين.
الآن، إملأ الفراغ بالمعلومات أعلاه:

"يحكى أنّ (ضع هنا إسم المرشّح) يزعم أنّ إصلاح البلاد قائم على يديه، يزعم أنّه قادر على الإتيان بالعدالة والثراء ورفاهية الحياة كحال بلدان معروفة، وهذا إن منحه الشعب ثقته..
دعاه قومه لحديث عن برنامجه، هل عندك منه شيء؟ أجاب، نعم:
(ضع هنا الفصل الأول من البرنامج الإنتخابي)
قالوا له: أعندك غيره؟ أجاب نعم:
(ضع هنا الفصل الثاني من البرنامج الإنتخابي)
فقالوا له: يا (ضع هنا إسم المرشّح)، والله إنّك لتعلم إنّنا لنعلم إنّك لكاذب!

مرّت الأيام وآمن بأقوال (ضع هنا إسم المرشّح) بعضهم، كانت الأيام كفيلة لتثبت أنّهم وسيّدهم في ضلال."

انتهت القصّة القصيرة، يمكنك تأليف الكثير منها :)

القصة مقتبسة من واقعة قديمة، قبل 1400 سنة:
"كان مسيلمة يزعم ويدّعي أن وحيا ينزل عليه، ويأتيه بقرآن كالذي ينزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال له قومه: هل عندك منه شيء؟ فقال نعم، فقالوا هات ما عندك. فقال:
"الفيل ما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذيل قصير وخرطوم طويل..."
قالوا أعندك غيره؟ قال نعم:
"يا ضفدع يا بنت ضفدعين نقي ما تنقين نصفك في الماء ونصفك في الطين..."
فقالوا له: يا مسيلمة، والله إنّك لتعلم إنّنا لنعلم إنّك لكاذب!"
(للإشارة، هناك روايات أخرى للقصة غير أنّها تحمل نفس المغزى في النهاية)

أخيرا، مقولة شهيرة لهيجل: "يعلّمنا التاريخ أنّ الإنسان لا يتعلّم من التاريخ".



ما لا أحبّه في مصر!

المفترض أن يكون العنوان: ما أحبّه في مصر، سيكون عنوان موضوع مستقبلي :)

لنبدأ بالإنترنت في مصر، كارثة فعلا!
مصر في مرتبة متقدّمة عربيا وإفريقيا من حيث عدد مستخدمي الإنترنت، إنتاج المحتوى الإلكتروني والشركات التقنية المستقرّة بها. لا أدري لم لا يشفع لها هذا توفير خدمات إنترنت في المستوى.

إذا تحدّثنا عن الفنادق فهي توفّرالإنترنت بمبالغ غير منطقية: أحد الفنادق طلب حوالي 100 جنيه (حوالي 16 دولار) لليوم بالنسبة لإنترنت الغرفة، أما عند الإستقبال فهو مجاني (وضعيف). أمّا فندق آخر فطلب حوالي 184 جنيها (30 دولار) لليوم سواء السلكي أو اللاسلكي، سواء عند الإستقبال أو في الغرف، ما هذا؟

كانت تجربة الإنترنت تلك مخيّبة للآمال من حيث سرعة الصبيب..

الحلّ التالي هو شراء موديم 3G لاسلكي، هي رخيصة في مصر مقارنة بالمغرب، وكذلك تكلفة شحنها. تفاءلت خيرا. للأسف لم يدم تفاؤلي طويلا؛ سرعة الصبيب تسعدك أوّل يوم، تقلقك ثاني يوم، تزعجك ثالث يوم، تنقطع رابع يوم، ترمي قطعة ال3G تلك من أعلى برج القاهرة خامس يوم!
(جرّبت خدمتي إتّصالات وفودافون للإنترنت اللاسلكي)
الإنترنت في المؤسسات الجامعية والمرافق العمومية أفضل حالا، غير أنّه لا يرقى للسرعة التي تجعلك تستمتع بالتصفّح.

أخبرني أحد المصريين أنّ سرعة الصبيب بالنسبة لإتصال DSL للبيوت جيدة، لم تتح لي فرصة التجربة.

لننتقل لنقطة أخرى: المطبخ المصري!
في زيارة سابقة لمصر، تناولت القليل من الأكل المصري عند مطعم شهير في منطقة الحسين. ما الذي حصل لاحقا؟ جهازي الهضمي لم يرحّب بالأكل الجديد وكان عليّ زيارة صيدلية لتهدئة الأجواء. لم أتناول بعدها طعاما مصريا.

بعد مرور أزيد من شهر، وفي زيارة أخرى للقاهرة، أكلت القليل من الأكل المصري مجدّدا (نسيت الحكاية الأولى)، هذه المرّة عند مطعم شهير قرب ميدان التحرير. كانت النتيجة أسوأ: لم أنم بالليل، ومع حلول الصباح كان في غرفتي صيدلي وحقنة دواء. ثمّ لاحقا حصلت على أدوية فعالة من صديق عزيز.

هذا لا يعني أنّ الأكل المصري سيئ أو ذو جودة منخفضة، ربّما لا يناسبني وهو عند الآخرين رائع. وما أنا مقتنع به: المطبخ المغربي أفضل درجات من المطبخ المصري. (أوه، أرجو ألا "يزعل" أحدهم :P)
شيء آخر: المطبخ الأجنبي متوفّر في مصر بكثرة، على سبيل الأكل السوري، الشامي عامّة، التركي، الغربي.. وهو ما يرضي الأذواق التي لا تميل للمطبخ المصري.

هناك جوانب أخرى لم أحببها في مصر، أو لنقل إنّني توقّعت أن تكون أفضل ممّا رأيت، هي أمور مشتركة مع كثير من الدول العربية الأخرى (أي أنّها مظاهر لا تختصّ بمصر وحدها):
  • إهمال الآثار التاريخية، ليس إهمالا تاما، لكنّها لا تلقى من العناية والاهتمام ما يكفي حسب نظري (وهو أمر رصدته في بلدي المغرب أيضا).
  • الشرطة أو الأمن، هم كثير في مصر لدرجة مزعجة، التفتيش (أو لنقل مظاهر التفتيش) مبالغ فيها. ربّما الوضع الأمني غير مستقرّ بعد لذلك أتمنى مستقبلا مشرقا لمصر بإذن الله.
  • الضجيج، قصدي منبّهات السيارات. كيف يستحمل الناس مرور القاهرة وشوارعها المكتظة؟ قد يكون الأمر متناسبا مع العاصمة الإقتصادية للمغرب، الدار البيضاء، غير أنّني لم أتجوّل في الدار البيضاء يوما حتّى أقارن.
أرجو ألا ينزعج أحد من تدوينتي هاته ^_^


ثوار ليبيا والكلام الفارغ

لست أدري كيف أبدأ حديثي عن الذليل بعد عزّة، قصدي القذافي..

ما أزعجني هو كمية التعليقات الكبيرة التي صادفتها، المشتركة في شيء واحد: انتقاد تصرّف الثوار مع القذافي! الكلام الفارغ بوجوب معاملته بكرامة، بلطف، بحنّية، أخذه للسجن ومحاكمته محاكمة عادلة! وبقية الثرثرة عن الثوار الذين تصرّفوا بهمجية وقتلهم للأسير والتقاط صور مع ميت وتعذيبه إلخ إلخ.

لست أدري كيف نسي هؤلاء جميع جرائم القذافي في رمشة عين، كأنّه ليس المسؤول المباشر عن مقتل عشرات الآلاف من الليبيين في الشهور الأخيرة؟ وقبل ذلك، نسي الجميع حكاية دعمه للثورات الإنفصالية في ربوع الأرض..

صارت دماء آلاف من الليبيين الذي قتلوا على يد أتباع القذافي لا شيء، فقط لأنّ الثوار لم يطبّقوا المسطرة المفترضة مع الأسير، أي محاكمته، بل قتلوه! يا للأسى.. عن أيّ عدالة وقانون يتحدّث الناس؟

ما أنا مقتنع به: لا يحقّ لأحد انتقاد سلوك الثوار، صحيح أنّ قتل الأسير تصرّف غير أخلاقي و(ضع هنا ما شئت من أعذارك). الثوار غير ملامين على تصرّف خارج عن العرف قد قاموا به.

حينما يصدم أحدهم بسيارته إبنك بدون قصد، ويسبّب له كسورا، احتمال كبير أنّك لو وجدت الفاعل أمامك لحظتها لضربته (وقد تقتله)، من فزعك مما حصل لإبنك. تذكير: كانت كسورا وعن غير قصد، لديك تأمين في النهاية.
الآن، ماذا لو قتل ابنك وأبويك وجيرانك ودمّر بيتك وزادها مما لا أعرفه ولا تعرفه عن سبق إصرار وترصّد، والبلاد في حالة حرب؟ لديّ إحساس أنّك لن تقف بجواره قائلا: "لو سمحت، ممكن تذهب معي للمحكمة، أريد رفع دعوى قضائية عليك بسبب شكوك عن مسؤوليتك عن مقتل أفراد عائلتي فردا فراد، بطرق غير إنسانية؟ ممكن؟ أنا أنتظرك في الخارج جهّز حقيبتك! أو اتّصل بمحاميك مثلا.."
أظنّ أنّك ستفعل أكثر بكثير ممّا فعله الثوار، شيء من قبيل آلة فرم اللحم تلك، مع فحم ونار! وقد لن يبرد دمك..

لذا، رحمكم الله، كفى من لوم وتوبيخ، كفى من تجريم الثوار، كفى من "التعاطف" مع القذافي، وكفى من محاسبة أحرار ليبيا عن كلّ زلّة.
أتضمن سلامتك العقلية لو عشت نصف ما عاشوه من أهوال؟